- بقلم الدكتور / عادل المراغي من علماء الازهر
- العظماء هم من يصنعون الألقاب، لا الألقاب هي التي تصنعهم، فالألقاب قوالب جوفاء إن لم تملأها الأرواح الكبيرة، والأسماء الرنانة تتضاءل حتمًأ أمام هيبة التواضع السامق، وما تواضع إلا عظيم، وما تكبر إلا وضيع
- تأملوا نبي الله يوسف عليه السلام، وقد استوى على عرش مصر، وبلغ ذروة السلطان والمجد، وحين أراد أن يكشف عن هويته لإخوته بعد طول فراق، لم يتترس خلف ألقا
بقلم الدكتور / عادل المراغي من علماء الازهر
حوار / محمد فكري
———————————

العظماء هم من يصنعون الألقاب، لا الألقاب هي التي تصنعهم، فالألقاب قوالب جوفاء إن لم تملأها الأرواح الكبيرة، والأسماء الرنانة تتضاءل حتمًأ أمام هيبة التواضع السامق، وما تواضع إلا عظيم، وما تكبر إلا وضيع.
تأملوا نبي الله يوسف عليه السلام، وقد استوى على عرش مصر، وبلغ ذروة السلطان والمجد، وحين أراد أن يكشف عن هويته لإخوته بعد طول فراق، لم يتترس خلف ألقاب الملك ولا أبهة الحكم، بل قال بكل بساطة الطهارة والصفاء:
(أنا يوسف وهذا أخي)
وهذا الفيض المتصل من التواضع الإيماني انتقل جيلاً بعد جيل، حتى بلغ حنايا دولة التلاوة في زماننا، فهذا هو الشيخ محمد صديق المنشاوي_ أمير القراء وهدية السماء الذي سحرت تلاوته القلوب والأفئدة، وكان في تواضعه الجم يكتفي دوماً بأن يوقع اسمه أو يكتب في مقدماته: “محمد صديق المنشاوي خادم القرآن الكريم”، ولم يذكر قط أنه القارئ بالإذاعة ترفُّعاً عن الألقاب الزائفة، وتعفُّفاً عن التعالي بالمنصب، ليس كبعض من ابتلينا بهم اليوم من الغوغاء وأصحاب المظاهر الكاذبة، ممن يسطّرون على لافتاتهم ألقاب “القارئ الأول بالإذاعة والتلفزيون” أو قارئ العالم الإسلامي والشرق الأدنى والأقصى والأوسط ،وهم أصلاً لم يشموا رائحة الإذاعة ولا عرفوا طريق التلفزيون، تكلّفاً وبحثاً عن صدىً أجوف!
ولم تنطفئ هذه السيرة العطرة في معاصرينا؛ فحين هاتف فضيلة الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب – شيخ الأزهر الشريف – الطالبة الحاصلة على المركز الأول على الثانوية العامة، ليدخل إلى قلبها السرور، لم يستهل مكالمته ببروتوكولات المناصب ولا بضجيج الألقاب الرسمية، بل جاء صوته الدافئ الأبوي ليقول بتواضع الواثق العظيم:
(أنا أحمد الطيب!)
فتأمل ! كيف يستوي الأكابر على عرش القلوب بلا تكلف، وكيف يسقط الصغار في فخ البهرجة والتعالي؟
إن الألقاب أثواب عارية، أما التواضع فهو حلية الأرواح الكبيرة التي لا تحتاج إلى تعريف؛ لأن سموها يسبق أسماءها وألقابها .




