منتدى مصر 2026 يبدأ اليوم.. 61 ألف طلب مشاركة و12 مليون مشاهدة: هل تتحول الأرقام إلى قرارات تصنع المستقبل؟
ستة أيام من الحوار الوطني حول التعليم والاقتصاد والاستثمار والحماية الاجتماعية.. والأرقام تكشف اهتمام المصريين بالمشاركة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجلسات
- 61 ألف طلب مشاركة و12 مليون مشاهدة: هل تتحول الأرقام إلى قرارات تصنع المستقبل؟
- ستة أيام من الحوار الوطني حول التعليم والاقتصاد والاستثمار والحماية الاجتماعية
- والأرقام تكشف اهتمام المصريين بالمشاركة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجلسات
- أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
منتدى مصر 2026 يبدأ اليوم.. 61 ألف طلب مشاركة و12 مليون مشاهدة: هل تتحول الأرقام إلى قرارات تصنع المستقبل؟
ستة أيام من الحوار الوطني حول التعليم والاقتصاد والاستثمار والحماية الاجتماعية.. والأرقام تكشف اهتمام المصريين بالمشاركة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجلسات
بقلم: الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
الاثنين 19 أكتوبر 2026
تبدأ اليوم فعاليات «منتدى مصر 2026» في العاصمة الجديدة، في حدث تنظمه الحكومة المصرية بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويمتد حتى الرابع والعشرين من أكتوبر الجاري، تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد».
ويأتي المنتدى في وقت تواجه فيه مصر تحديات اقتصادية واجتماعية وتعليمية متشابكة، تتطلب حوارًا يتجاوز عرض الإنجازات إلى مناقشة المشكلات، ويتجاوز طرح الرؤى إلى تحديد القرارات، ويتجاوز إعلان الأهداف إلى قياس النتائج.
لكن ما يلفت الانتباه قبل انطلاق المنتدى ليس فقط حجم القضايا المطروحة، وإنما حجم الاهتمام المجتمعي بالمشاركة.
فقد استقبلت المنصة الإلكترونية 61 ألفًا و329 طلبًا لحضور الفعاليات، وسجلت أكثر من 12 مليون مشاهدة خلال الأيام الأولى لإطلاقها، إلى جانب أكثر من 3500 مقترح ومساهمة قدمها المواطنون.
كما تشير المعلومات المعلنة إلى اختيار نحو 9 آلاف مشارك لحضور الجلسات، بمشاركة أكثر من 150 من صناع القرار، وعقد أكثر من 16 جلسة حوارية على مدار ستة أيام.
هذه الأرقام لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مؤشرات على نجاح الدعاية والتنظيم.
إنها تفتح الباب أمام أسئلة أكثر أهمية.
لماذا يرغب عشرات الآلاف من المواطنين في المشاركة؟
وما القضايا التي تدفعهم إلى البحث عن فرصة للتعبير عن آرائهم؟
وهل تمتلك المؤسسات الحكومية الآليات اللازمة لتحويل هذه المشاركة إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟
والسؤال الأهم: هل سيكون منتدى مصر 2026 مناسبة للاستماع إلى المواطنين، أم بداية لتغيير الطريقة التي تُصنع بها القرارات وتُتابع نتائجها؟
أولًا: منتدى مصر 2026 بالأرقام
تكشف البيانات المعلنة قبل انطلاق المنتدى عن حجم الاهتمام بالحدث.
|
المؤشر |
الرقم المعلن |
|
موعد المنتدى |
19–24 أكتوبر 2026 |
|
مدة الفعاليات |
6 أيام |
|
طلبات الحضور |
61,329 طلبًا |
|
المشاركون المتوقعون |
نحو 9,000 مشارك |
|
مشاهدات المنصة الإلكترونية |
أكثر من 12 مليون مشاهدة |
|
المقترحات والمساهمات |
أكثر من 3,500 |
|
الجلسات الحوارية |
أكثر من 16 جلسة |
|
صناع القرار المشاركون |
أكثر من 150 |
|
طلبات حضور جلسة التعليم |
نحو 15,500 طلب |
المصادر: الموقع الرسمي للمنتدى، وتصريحات المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء، وتقارير وكالة أنباء الشرق الأوسط.
وتسمح هذه البيانات باستخلاص بعض المؤشرات المهمة.
فإذا قارنا عدد المشاركين المتوقعين، البالغ نحو تسعة آلاف، بإجمالي طلبات الحضور البالغ 61,329 طلبًا، فإن نسبة المشاركة الحضورية المتوقعة تعادل نحو 14.7% من عدد الطلبات.
وهذا لا يعني بالضرورة قبول 14.7% من المتقدمين، لأن عدد الطلبات قد يختلف عن عدد الأشخاص المسجلين، لكنه يوضح الفارق الكبير بين الرغبة في الحضور والطاقة الاستيعابية للفعاليات.
أما طلبات حضور جلسة التعليم، التي بلغت نحو 15,500 طلب، فتمثل ما يقرب من 25.3% من إجمالي طلبات الحضور.
وهي نسبة لافتة تشير إلى أهمية ملف التعليم لدى الراغبين في المشاركة.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه الأرقام لا تمثل استطلاعًا علميًا للرأي العام المصري، وإنما تعكس سلوك المتقدمين للمشاركة في المنتدى.
ومع ذلك، فإنها تقدم إشارة واضحة: التعليم ليس مجرد بند في أجندة الحكومة، بل قضية تحظى باهتمام كبير بين المواطنين الذين سجلوا للمشاركة.
ثانيًا: 12 مليون مشاهدة.. ماذا تعني هذه الأرقام؟
قد يبدو تسجيل أكثر من 12 مليون مشاهدة للمنصة الإلكترونية رقمًا استثنائيًا.
لكن التفسير العلمي لهذه البيانات يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مؤشرات مختلفة: عدد المشاهدات، وعدد المستخدمين الفريدين، وعدد المشاركين الفعليين.
فقد يزور الشخص الموقع أكثر من مرة، وقد ينتقل بين صفحاته المختلفة، مما يؤدي إلى تسجيل عدة مشاهدات.
ولهذا، لا يصح القول إن 12 مليون مواطن شاركوا في المنتدى أو زاروا الموقع، ما لم تتوافر بيانات تؤكد عدد المستخدمين الفريدين.
كما أن عدد طلبات الحضور لا يساوي بالضرورة عدد الأشخاص، لأن بعض التقارير تشير إلى وجود اختلاف بين عدد المسجلين وإجمالي طلبات المشاركة في الجلسات.
وهذه التفاصيل ليست مجرد مسائل إحصائية.
بل تؤثر في كيفية تقييم حجم المشاركة.
فالحكومة التي ترغب في تطوير الحوار المجتمعي تحتاج إلى مؤشرات تقيس المشاركة الفعلية، وليس الاهتمام الرقمي وحده.
ومن المفيد أن تشمل تقارير المنتدى المستقبلية عدد المشاركين الفريدين، وتوزيعهم الجغرافي والعمري، وعدد المقترحات المكتملة، ونسبة المقترحات التي خضعت للدراسة، ونسبة ما تحول منها إلى قرارات.
فالرقم الكبير يجذب الانتباه، لكن الرقم الذي نستطيع تفسيره وقياس أثره هو الذي يساعد على اتخاذ قرار أفضل.
ثالثًا: لماذا تصدر التعليم اهتمامات المشاركين؟
تشير البيانات المنشورة إلى أن جلسة التعليم استقطبت نحو 15,500 طلب حضور، بما يعادل ربع إجمالي الطلبات تقريبًا.
وهذه النسبة تستحق التوقف عندها.
فالتعليم يمثل نقطة التقاء عدد كبير من القضايا التي تشغل الأسرة المصرية.
إنه يرتبط بمستقبل الأبناء، وتكاليف المعيشة، وفرص العمل، والحراك الاجتماعي، والقدرة على المنافسة في اقتصاد عالمي سريع التغير.
وقد تبدأ المشكلة من المدرسة، لكنها لا تنتهي عند باب الجامعة.
فالأسر تريد تعليمًا جيدًا، والطلاب يريدون مستقبلًا مهنيًا واضحًا، وأصحاب الأعمال يبحثون عن مهارات مناسبة، والجامعات تحاول مواكبة التحولات التكنولوجية.
وهنا يصبح السؤال المطروح على إحدى موائد المنتدى، «ماذا يتعلم أبناؤنا وهل يؤهلهم ذلك لسوق العمل؟»، سؤالًا استراتيجيًا.
فنحن لا نحتاج فقط إلى زيادة أعداد الخريجين.
بل نحتاج إلى معرفة ما يستطيع هؤلاء الخريجون فعله بالفعل.
هل يمتلكون مهارات التفكير النقدي؟
هل يستطيعون التعامل مع التكنولوجيا الحديثة؟
هل لديهم القدرة على حل المشكلات؟
هل يعرفون كيف يعملون ضمن فرق متعددة التخصصات؟
وهل يستطيعون التعلم المستمر في عالم تتغير فيه الوظائف بصورة متسارعة؟
لقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ بعض المهام التي كانت تتطلب سنوات من التدريب التقليدي.
وهذا لا يعني اختفاء الحاجة إلى التعليم، بل يعني ضرورة إعادة النظر في طبيعة المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الطالب.
فالتحدي لم يعد مجرد تعليم الطالب كيف يحصل على المعلومة، وإنما تعليمه كيف يفهمها ويتحقق منها ويستخدمها لإنتاج معرفة أو حل مشكلة.
ومن هنا، فإن أي إصلاح تعليمي ينبغي أن يبدأ بتحديد المخرجات المطلوبة، ثم تطوير المناهج والتقييم والتدريب وفقًا لها.
رابعًا: تسعة آلاف مشارك.. هل تكفي لتمثيل المجتمع؟
تشير التقارير إلى اختيار نحو تسعة آلاف مشارك من بين عشرات الآلاف من طلبات الحضور.
وهذا العدد يسمح بتنظيم جلسات واسعة نسبيًا، لكنه يطرح قضية مهمة تتعلق بتمثيل المجتمع.
فالمشاركة لا تقاس بالعدد فقط.
بل بتنوع المشاركين أيضًا.
هل تشمل الجلسات شبابًا من مختلف المحافظات؟
هل يحضر ممثلون عن العمال والفنيين وأصحاب المشروعات الصغيرة؟
هل تشارك النساء بصورة مناسبة؟
هل توجد أصوات من المناطق الريفية والحدودية؟
وهل يجد الأشخاص ذوو الإعاقة فرصة حقيقية للتعبير عن احتياجاتهم؟
هذه الأسئلة ضرورية لأن المشكلات تختلف بين الفئات والمناطق.
فقد تكون الأولوية لدى شاب في القاهرة هي فرص العمل في الاقتصاد الرقمي، بينما تكون لدى شاب في محافظة أخرى مرتبطة بالنقل أو التدريب الفني أو فرص الاستثمار المحلي.
وقد تكون المشكلة الأساسية لدى أسرة هي تكاليف التعليم، بينما ترى أسرة أخرى أن جودة الخدمة التعليمية هي التحدي الأكبر.
ولهذا، فإن الاختيار الجيد للمشاركين ينبغي أن يوازن بين الاهتمام بالموضوعات والتنوع المجتمعي.
كما يجب ألا ينتهي حق المشاركة عند حدود الحضور الشخصي.
فالمواطن الذي لم يحصل على دعوة ينبغي أن يجد قناة واضحة لإرسال رأيه ومتابعة ما حدث بشأنه.
فالتمثيل الحقيقي لا يعني أن نجمع أكبر عدد ممكن داخل قاعة واحدة، بل أن نضمن وصول وجهات النظر المختلفة إلى عملية صنع القرار.
خامسًا: أكثر من 3500 مقترح.. كنز من المعلومات أم مجرد أرشيف إلكتروني؟
من أهم الأرقام التي أُعلنت قبل المنتدى استقبال أكثر من 3500 مقترح ومساهمة من المواطنين.
وقد تكون القيمة الحقيقية لهذا الرقم أكبر من قيمته الإعلامية.
فكل مقترح يمكن أن يحمل تجربة أو مشكلة أو فكرة لتحسين خدمة عامة.
وقد تتكرر مشكلة واحدة في عشرات المقترحات، مما يساعد على تحديد أولويات التدخل.
وقد يقدم أحد المواطنين حلًا عمليًا لمشكلة محلية لا تظهر بوضوح في التقارير المركزية.
لكن تحويل هذه المقترحات إلى معرفة قابلة للاستخدام يحتاج إلى منهجية واضحة.
أولًا، يجب تصنيف المقترحات بحسب الموضوع والجهة المختصة.
ثم تحليل المشكلات المتكررة.
وبعد ذلك، تقييم الحلول المقترحة من حيث التكلفة وإمكانية التنفيذ والأثر المتوقع.
وأخيرًا، إعلان نتائج التقييم بصورة مناسبة.
ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل اللغة العربية أن تساعد في معالجة هذا الحجم من المشاركات، واكتشاف الموضوعات المتشابهة، وتلخيص الاتجاهات العامة.
لكن ينبغي ألا تعتمد القرارات على التصنيف الآلي وحده.
فبعض المقترحات قد تكون قليلة التكرار لكنها شديدة الأهمية، خصوصًا عندما تتعلق بفئات لا تمتلك قدرة واسعة على المشاركة الرقمية.
ولهذا، يجب الجمع بين التحليل الآلي والمراجعة البشرية المتخصصة.
إن قيمة 3500 مقترح لا تكمن في أننا جمعناها، بل في قدرتنا على معرفة ما الذي تعلمناه منها، وما الذي قررنا تغييره بناءً عليها.
سادسًا: ستة أيام و16 جلسة.. هل يكفي الوقت لمناقشة تحديات مصر؟
تتضمن أجندة المنتدى أكثر من 16 جلسة حوارية، إلى جانب ورش عمل ومناقشات متخصصة.
وتشمل المحاور المعلنة التعليم، والشباب، والثقافة، والاقتصاد، والطاقة، والاستثمار، والدين، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي والمائي.
ومن الواضح أن هذه القضايا مترابطة.
فالتعليم يؤثر في الإنتاجية.
والإنتاجية تؤثر في القدرة التنافسية.
والاستثمار يؤثر في فرص العمل.
وفرص العمل تؤثر في مستوى المعيشة.
ومستوى المعيشة يؤثر في قدرة الأسر على الاستثمار في تعليم أبنائها.
كما أن الأمن المائي والغذائي يرتبط بالزراعة والطاقة والتكنولوجيا والموارد الطبيعية.
ولهذا، فإن التعامل مع كل ملف باعتباره قضية منفصلة قد يؤدي إلى توصيات متعارضة أو غير مكتملة.
فعلى سبيل المثال، قد تستهدف الحكومة التوسع الصناعي، لكن نجاح هذه السياسة يحتاج إلى طاقة مناسبة، وعمالة مؤهلة، وبنية لوجستية، وتمويل، وقدرة على الوصول إلى الأسواق.
وقد تستهدف تحسين التعليم الفني، لكن نجاحه يحتاج إلى طلب حقيقي على المهارات الجديدة داخل الاقتصاد.
ومن هنا، فإن إحدى أهم وظائف المنتدى ينبغي أن تكون ربط التوصيات المختلفة ضمن رؤية تنفيذية متكاملة.
فالتحديات الوطنية لا تعمل في جزر منفصلة، ولذلك لا ينبغي أن تُصمم حلولها داخل جزر إدارية منفصلة.
سابعًا: 150 صانع قرار.. هل يملكون القدرة على تحويل الحوار إلى تنفيذ؟
يشير الموقع الرسمي للمنتدى إلى مشاركة أكثر من 150 صانع قرار من مختلف القطاعات التنموية.
وهذا الرقم يحمل أهمية خاصة.
فوجود صناع القرار داخل النقاش يتيح فرصة للانتقال من عرض المشكلات إلى مناقشة القيود الفعلية التي تواجه تنفيذ الحلول.
فقد يقترح أحد المشاركين تعديل إجراء إداري، لكن المسؤول المختص يستطيع توضيح ما إذا كان التعديل يحتاج إلى قرار وزاري أو تعديل تشريعي.
وقد يقترح خبير برنامجًا جديدًا للتدريب، لكن الجهة التنفيذية تستطيع مناقشة الموارد المتاحة والمدة المطلوبة.
وقد يقدم مواطن شكوى متكررة، فتظهر الحاجة إلى تغيير نظام العمل بدلًا من معالجة كل حالة بصورة منفردة.
لكن وجود المسؤولين لا يكفي وحده.
الأهم هو تحديد ما سيحدث بعد المناقشة.
فإذا اتفق المشاركون على ضرورة تطوير إجراء معين، ينبغي أن تُحدد الجهة المسؤولة عن دراسته، والمدة الزمنية اللازمة، والنتيجة المتوقعة.
وإذا كان المقترح غير قابل للتنفيذ، فمن الأفضل توضيح الأسباب بدلًا من تركه معلقًا.
فالحوار الذي يجمع المواطن وصانع القرار يجب أن ينتهي بقدر أكبر من الوضوح، لا بمجرد تبادل وجهات النظر.
ثامنًا: الاقتصاد وضبط الأسواق.. ما الذي ينتظره المواطن؟
من القضايا الرئيسية المطروحة في المنتدى الاستثمار المنتج، والصناعة التنافسية، وفرص العمل المستدامة، وضبط الأسواق، والحماية الاجتماعية.
وهي ملفات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمصريين.
فالمواطن لا يقيم السياسات الاقتصادية اعتمادًا على المؤشرات الكلية فقط.
بل ينظر إلى أسعار السلع، وتكاليف الخدمات، وقدرته على الادخار، وفرص العمل المتاحة لأبنائه.
ومن هنا، فإن نجاح السياسات الاقتصادية ينبغي أن يقاس بمؤشرات تعكس أثرها على المجتمع.
ففي مجال الاستثمار، لا يكفي الإعلان عن قيمة المشروعات الجديدة.
بل ينبغي قياس عدد الوظائف المستدامة التي تخلقها، والقيمة المضافة المحلية، وقدرتها على التصدير ونقل التكنولوجيا.
وفي مجال ضبط الأسواق، لا تكفي الحملات الرقابية وحدها.
بل ينبغي تحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتعزيز المنافسة، وتطوير نظم المعلومات، ومعالجة الاختناقات التي تؤثر في الأسعار.
أما في مجال الحماية الاجتماعية، فلا ينبغي الاكتفاء بعدد المستفيدين.
بل يجب تقييم ما إذا كانت البرامج تساعد فعلًا على تخفيف الأعباء وتحسين القدرة على مواجهة الأزمات.
فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط حجم ما تنفقه الدولة، بل يريد أن يعرف ما الذي تغير نتيجة هذا الإنفاق.
تاسعًا: كيف نقيس نجاح منتدى مصر 2026؟
إذا أردنا تقييم المنتدى بصورة علمية، فلا ينبغي أن نكتفي بمؤشرات النشاط.
فعدد الجلسات، والحضور، والمشاهدات، والمقترحات، كلها مؤشرات مهمة، لكنها تقيس حجم المشاركة والتنظيم أكثر مما تقيس النتائج.
أما النجاح التنفيذي فيحتاج إلى مؤشرات مختلفة.
من بينها عدد التوصيات التي تحولت إلى قرارات محددة، ونسبة القرارات التي عُينت لها جهات مسؤولة، ونسبة ما التزم بمواعيد التنفيذ، ومدى تحقق النتائج المستهدفة.
كما ينبغي قياس رضا المواطنين عن التغييرات الفعلية، لا عن الفعاليات نفسها فقط.
ويمكن أن تُنشر لوحة متابعة دورية تعرض حالة كل قرار، والجهة المسؤولة عنه، والموعد المستهدف، ونسبة الإنجاز، وأسباب التعثر إن وجدت.
ومن المهم أن تشمل المتابعة القرارات التي لم تحقق النتائج المتوقعة.
فالإدارة الناجحة لا تعني غياب الأخطاء، وإنما القدرة على اكتشافها وتصحيحها.
إن نجاح المنتدى لا ينبغي أن يُعلن في يومه الأخير، بل يجب أن يثبت خلال الأشهر التالية من خلال نتائج قابلة للتحقق.
عاشرًا: من المشاركة الرقمية إلى الإدارة القائمة على البيانات
تمثل الأرقام المعلنة فرصة لتطوير منهج جديد في الحوار بين المواطن والحكومة.
فوجود منصة إلكترونية تستقبل عشرات الآلاف من الطلبات وآلاف المقترحات يعني إمكانية بناء نظام مستمر لتحليل أولويات المواطنين.
لكن هذا النظام يحتاج إلى قواعد واضحة.
ينبغي حماية البيانات الشخصية للمشاركين، وتجنب استخدام المعلومات خارج الأغراض المعلنة، وتوفير شفافية بشأن كيفية معالجة المقترحات.
كما ينبغي أن تكون نتائج التحليل متاحة بصورة تسمح للباحثين ومراكز الفكر بدراسة الاتجاهات العامة دون الكشف عن هوية الأفراد.
ويمكن للجامعات المصرية أن تؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال.
فالباحثون في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي يستطيعون تطوير أدوات لتحليل المقترحات العربية، واكتشاف القضايا المتكررة، وقياس التغير في الأولويات بمرور الوقت.
كما يمكن للباحثين في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية تقييم أثر السياسات المقترحة.
ومن هنا، فإن المنتدى قد يمثل فرصة لتعزيز التعاون بين الحكومة والجامعات ومراكز البحث.
لكن ينبغي أن يكون دور الباحثين قائمًا على التقييم المستقل، لا مجرد المشاركة الرمزية في الجلسات.
فالدولة التي تريد اتخاذ قرارات أفضل تحتاج إلى بيانات أفضل، وتحليل أفضل، واستعداد دائم لمراجعة افتراضاتها.
الخاتمة: 61 ألف طلب مشاركة.. لكن السؤال هو كم قرارًا سيتحقق؟
يبدأ منتدى مصر 2026 اليوم محاطًا باهتمام مجتمعي واضح.
أكثر من 61 ألف طلب حضور.
وأكثر من 12 مليون مشاهدة للمنصة الإلكترونية.
ونحو تسعة آلاف مشارك متوقع.
وأكثر من 3500 مقترح ومساهمة.
وأكثر من 16 جلسة حوارية.
وما يزيد على 150 من صناع القرار.
هذه أرقام مهمة، لكنها ليست النتيجة النهائية.
إنها تعبر عن حجم النشاط والاهتمام الذي سبق انعقاد المنتدى.
أما النتائج الحقيقية فلم تتحدد بعد.
فقد ننجح في تنظيم حدث كبير، لكننا نحتاج إلى ما هو أكثر من التنظيم.
نحتاج إلى قرارات واضحة.
ومسؤوليات محددة.
وجداول زمنية واقعية.
ومؤشرات أداء معلنة.
وآليات متابعة تسمح للمواطن بأن يعرف ما تحقق وما لم يتحقق.
والأهم أن ننتقل من النظر إلى المواطن باعتباره متلقيًا للسياسات إلى الاعتراف به شريكًا في تحسينها.
فالمواطن قد لا يمتلك جميع المعلومات التي يحتاج إليها صانع القرار، لكنه يمتلك معرفة مباشرة بتأثير السياسات في حياته.
والخبير قد يمتلك أدوات التحليل، لكنه يحتاج إلى فهم الواقع الذي يعيش فيه الناس.
والمسؤول يمتلك أدوات التنفيذ، لكنه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالأولويات والتحديات.
وعندما تجتمع هذه الأطراف في حوار منظم، يمكن أن تصبح القرارات أكثر واقعية وفاعلية.
إن القيمة الحقيقية لمنتدى مصر 2026 لن تكون في عدد من حضروا، بل في عدد المشكلات التي جرى فهمها بصورة أفضل، وعدد القرارات التي تحسنت، والنتائج التي شعر بها المواطن.
ولهذا، فإنني أرى أن أهم وثيقة ينبغي أن تخرج عن المنتدى ليست تقريرًا عن نجاح الفعاليات، وإنما وثيقة التزامات تنفيذية توضح ما ستفعله الجهات المختلفة، ومتى ستفعله، وكيف ستقيس النتائج.
وعندما ينعقد المنتدى في دورة مقبلة، ينبغي أن يبدأ بعرض ما تحقق من التزامات الدورة السابقة، قبل الانتقال إلى مناقشة التحديات الجديدة.
عندها يصبح الحوار عملية مستمرة للتعلم والمساءلة، لا مجرد حدث ينتهي بانتهاء الجلسات.
ولعل الرقم الذي يجب أن نتذكره اليوم ليس 12 مليون مشاهدة، ولا 61 ألف طلب مشاركة.
بل الرقم الذي نريد أن نعرفه بعد عام:
كم قرارًا خرج من المنتدى، وكم قرارًا نُفذ، وكم مواطنًا تحسنت حياته نتيجة ذلك؟
فهذه هي الأرقام التي تستحق أن نحتفي بها.
إن نجاح منتدى مصر 2026 لا يبدأ بعدد من حضروا، بل بعدد من شعروا بأن أصواتهم أحدثت فرقًا.
فالمشاركة تصنع الحوار، والحوار الجيد يصنع القرار، لكن التنفيذ وحده هو الذي يصنع التغيير.
الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
المصادر: الموقع الرسمي لمنتدى مصر 2026، وكالة أنباء الشرق الأوسط: تفاصيل المشاركة والفعاليات، تصريحات المتحدث باسم مجلس الوزراء بشأن الإحصائيات والمقترحات، بيانات الاهتمام بجلسة التعليم.
ملاحظة تحريرية: تعكس الإحصائيات البيانات المعلنة حتى صباح 19 أكتوبر 2026، وهي أرقام تسجيل وتحضير، وليست نتائج نهائية للمنتدى.







