رسالة واتساب أمام القضاء.. متى تتحول المحادثة إلى جريمة؟
حكم من المحكمة الاقتصادية يضع حدودًا فاصلة بين التحرش الجنسي والإزعاج الإلكتروني.. البراءة من اتهام لا تعني البراءة من كل مسؤولية
- حكم من المحكمة الاقتصادية يضع حدودًا فاصلة بين التحرش الجنسي والإزعاج الإلكتروني
- البراءة من اتهام لا تعني البراءة من كل مسؤولية
- أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
- كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
رسالة واتساب أمام القضاء.. متى تتحول المحادثة إلى جريمة؟
حكم من المحكمة الاقتصادية يضع حدودًا فاصلة بين التحرش الجنسي والإزعاج الإلكتروني.. البراءة من اتهام لا تعني البراءة من كل مسؤولية
بقلم: الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
رسالة إلكترونية قد تغير مصير إنسان
لم تعد الرسائل المتبادلة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مجرد كلمات عابرة تنتهي بانتهاء المحادثة، بل أصبحت في كثير من الأحيان أدلة رقمية تُعرض أمام جهات التحقيق والمحاكم، وقد يترتب عليها اتهام جنائي أو حكم بالغرامة أو الحبس، وفقًا لطبيعة الواقعة والنص القانوني المنطبق عليها.
وفي عصر أصبحت فيه تطبيقات مثل «واتساب» جزءًا من الحياة المهنية والاجتماعية، تتزايد النزاعات التي تبدأ بمحادثة شخصية أو نقاش بين زميلين، ثم تتحول إلى اتهامات تتعلق بالتحرش أو المضايقة أو التهديد أو إساءة استعمال وسائل الاتصالات.
لكن السؤال الأكثر تعقيدًا هو: متى تتحول الكلمات إلى جريمة؟ وهل تكفي العبارات التي تحتمل أكثر من تفسير لإثبات التحرش الجنسي؟ وهل يؤدي تبادل الرسائل بين الطرفين إلى انتفاء المسؤولية؟ وهل تعني البراءة من اتهام معين أن السلوك كان مشروعًا بالكامل؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ضوء الحكم الصادر عن الدائرة الثانية جنح مستأنف بمحكمة القاهرة الاقتصادية، في الاستئناف رقم 590 لسنة 2024 جنح مستأنف، المرتبط بالجنحة رقم 445 لسنة 2024 جنح اقتصادي، والجنحة رقم 10 لسنة 2024 جنح مالية.
وقد انتهى الحكم إلى البراءة من الاتهام المتعلق بالتحرش الجنسي بالوصف المسند إلى المتهم، مع استمرار إدانته عن تعمد إزعاج ومضايقة المجني عليها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وتعديل الغرامة إلى عشرين ألف جنيه.
وتكمن أهمية الحكم في أنه يوضح أن السلوك الواحد قد يخضع لأكثر من وصف جنائي، وأن ثبوت أحد هذه الأوصاف لا يعني بالضرورة ثبوت الأوصاف الأخرى.
كما يؤكد أن المحكمة الجنائية لا تبني قضاءها على الانطباعات أو الاحتمالات، وإنما على الأدلة التي تطمئن إليها، مع ضرورة إثبات الأركان الخاصة بكل جريمة.



تفاصيل القضية.. من علاقة عمل إلى محاكمة جنائية
بحسب الحكم المرفق، تعود الواقعة إلى الحادي عشر من أغسطس عام 2021، بدائرة قسم شرطة أول مدينة نصر بمحافظة القاهرة.
وقد اتهمت النيابة العامة أحد الأشخاص بإرسال رسائل إلى زميلته في العمل عبر تطبيق «واتساب»، تضمنت، وفق وصف الاتهام، أمورًا وإيحاءات وتلميحات ذات طبيعة جنسية.
ونسبت النيابة إليه أنه قصد من تلك الرسائل الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية، مستغلًا ما له من سلطة وظيفية على المجني عليها.
كما أسندت إليه اتهامًا آخر يتعلق بتعمد إزعاجها ومضايقتها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات.
وقد أحيل المتهم إلى المحاكمة الجنائية استنادًا إلى النصوص الواردة بأمر الإحالة، ومنها أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالتحرش الجنسي، والمادة 76 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات.
وبجلسة الرابع والعشرين من مارس 2024، قضت محكمة أول درجة بتغريم المتهم مائة ألف جنيه، وإلزامه بأداء عشرين ألف جنيه للمدعية بالحقوق المدنية على سبيل التعويض المدني المؤقت، فضلًا عن المصاريف الجنائية.
ولم يرتضِ المتهم هذا القضاء، فطعن عليه بالاستئناف.
وقد مر الاستئناف بإجراءات قضائية تضمنت وقف نظره لحين الفصل في طعن آخر مرتبط بالواقعة، ثم استئناف نظر الدعوى بعد زوال سبب الوقف.
وأمام المحكمة الاستئنافية، تمسك الدفاع بطلب إلغاء الحكم المستأنف والقضاء بالبراءة، مستندًا إلى دفوع تتعلق بانتفاء أركان الجريمة، وبطلان التقرير الفني، والتراخي في الإبلاغ، وغيرها من أوجه الدفاع التي تناولتها المحكمة في حدود ما عرض عليها.
وبعد الاطلاع على الأوراق والمحادثات والأدلة، انتهت المحكمة إلى نتيجة مختلفة عن حكم أول درجة فيما يتعلق بالاتهام الأول، بينما أبقت على الإدانة عن الاتهام الثاني.
لماذا قضت المحكمة بالبراءة من اتهام التحرش الجنسي؟
انصبت أسباب البراءة على عدم اطمئنان المحكمة إلى كفاية الأدلة لإثبات القصد الجنائي الخاص المرتبط بالاتهام الأول.
فقد أوضحت المحكمة أن مجرد تبادل عبارات قد تحمل إيحاءات أو ألفاظًا تحتمل أكثر من تفسير لا يكفي وحده لإثبات أن إرادة المتهم اتجهت إلى الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين.
الأول هو وجود عبارات أو تلميحات قد تكون غير مناسبة أو مسيئة أو مخالفة لقواعد التعامل المهني.
أما الثاني فهو ثبوت أركان الجريمة الجنائية بالوصف الذي أسندته النيابة العامة إلى المتهم.
فليس كل سلوك غير لائق يثبت بالضرورة جميع عناصر جريمة التحرش الجنسي، خصوصًا إذا كان الاتهام يتضمن قصدًا خاصًا أو ظرفًا مشددًا يتعين إثباته.
وقد طالعت المحكمة المحادثات المتبادلة بين الطرفين، ورأت أنها جاءت في سياق حوار وسجال شارك فيه كلاهما.
ولم تطمئن، وفق تقديرها لأدلة الدعوى، إلى أن تلك المحادثات تثبت على وجه الجزم اتجاه إرادة المتهم إلى الحصول على منفعة جنسية.
وهذا لا يعني أن الحوار المتبادل يمنع قانونًا وقوع التحرش.
بل يعني أن المحكمة، عند تقييمها هذه المحادثات تحديدًا، لم تجد فيها ما يكفي لإثبات القصد الخاص الذي قام عليه الاتهام الأول.
فالفرق كبير بين القول إن تبادل الرسائل ينفي الجريمة دائمًا، والقول إن تبادل الرسائل كان أحد العناصر التي أخذتها المحكمة في الاعتبار عند تقييم الأدلة في قضية محددة.
المحادثة المتبادلة ليست موافقة مفتوحة
من أخطر النتائج التي قد تترتب على القراءة السطحية لهذا الحكم الاعتقاد بأن استمرار شخص في الرد على الرسائل يعني موافقته على جميع ما يرد فيها.
وهذا استنتاج غير صحيح.
فقد يرد الشخص على رسائل غير مرغوبة بدافع الحرج، أو الخوف، أو محاولة إنهاء الحوار، أو تجنب التصعيد، أو الحفاظ على علاقة مهنية.
وقد تكون هناك ظروف وظيفية أو اجتماعية تجعل الاعتراض المباشر أكثر صعوبة.
ولهذا لا يجوز اعتبار الرد على الرسالة موافقة مطلقة على استمرار التواصل أو على إرسال محتوى مسيء.
وفي المقابل، قد يكون لطبيعة الحوار المتبادل دلالة عند تقييم القصد الجنائي، خصوصًا عندما تنظر المحكمة إلى تسلسل المحادثة ومضمونها الكامل.
فالقضاء لا يكتفي عادة بقراءة عبارة منفردة، بل ينظر إلى السياق الذي وردت فيه، وإلى سلوك الطرفين، وإلى وجود اعتراضات أو تهديدات أو ضغوط أو إلحاح.
والمعيار هنا ليس مجرد وجود رد من الطرف الآخر، وإنما مجموع الوقائع والأدلة التي تسمح بتحديد طبيعة السلوك والقصد منه.
استغلال السلطة الوظيفية.. لماذا لا يكفي وجود علاقة عمل؟
تناول الحكم كذلك مسألة استغلال السلطة الوظيفية.
فقد نسبت النيابة العامة إلى المتهم أنه استغل موقعه الوظيفي في محاولة الحصول على منفعة جنسية.
لكن المحكمة لم تطمئن إلى توافر هذا الظرف، إذ لم تجد في الأوراق ما يكفي لإثبات استخدام المتهم صلاحيات وظيفته أو التلويح بها لتحقيق الغرض المنسوب إليه.
وهذا التمييز بالغ الأهمية.
فمجرد وجود علاقة عمل بين شخصين لا يثبت بذاته أن أحدهما استغل سلطته على الآخر.
لكن في المقابل، فإن عدم وجود تهديد صريح لا ينفي بالضرورة استغلال السلطة إذا كانت هناك أدلة أخرى تثبته.
فقد يظهر الاستغلال من خلال ربط الترقية أو التقييم أو توزيع المهام أو الاستمرار في العمل بالاستجابة لمطالب شخصية.
وقد يظهر كذلك من خلال ضغوط غير مباشرة أو تصرفات متكررة تكشف عن استخدام النفوذ الوظيفي.
ولهذا فإن التحقيق في هذه الوقائع يجب أن يتناول طبيعة العلاقة المهنية، وحدود صلاحيات الأطراف، والرسائل المتبادلة، والظروف المحيطة بها.
وفي القضية المعروضة، انتهت المحكمة إلى عدم كفاية الأدلة لإثبات استغلال السلطة الوظيفية بالوصف المطروح أمامها.
ولا ينبغي تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة عامة تنفي إمكان وقوع التحرش داخل بيئة العمل أو تقلل من خطورة استغلال النفوذ المهني.
البراءة من التحرش لا تعني البراءة من الإزعاج
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في الحكم.
فبعد أن انتهت المحكمة إلى عدم كفاية الأدلة لإثبات الاتهام الأول، أبقت على إدانة المتهم عن جريمة تعمد الإزعاج والمضايقة بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات.
وقد استندت في ذلك إلى المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.
ويعكس هذا التمييز اختلاف الأركان القانونية بين الجريمتين.
فجريمة التحرش الجنسي، بحسب الوصف القانوني المنطبق، ترتبط بعناصر تتعلق بطبيعة السلوك ودلالته الجنسية، وقد تتضمن قصدًا خاصًا أو ظروفًا مشددة.
أما جريمة تعمد الإزعاج والمضايقة بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، فتتعلق بسلوك مختلف من حيث عناصره القانونية، ولا يشترط لقيامها إثبات قصد الحصول على منفعة جنسية.
ولهذا قد لا تكفي الأدلة لإثبات جريمة التحرش بالوصف المسند، لكنها تكفي لإثبات جريمة الإزعاج.
وقد رأت المحكمة الاستئنافية أن حكم أول درجة استند، فيما يتعلق بالاتهام الثاني، إلى أسباب سائغة لها أصل ثابت بالأوراق وتكفي لحمل قضائه.
ومن ثم أبقت على الإدانة عن هذا الاتهام، مع تعديل العقوبة.
وهنا تتضح رسالة قانونية مهمة: عدم ثبوت القصد الجنسي الخاص لا يمنح الشخص حصانة من المساءلة عن إساءة استخدام وسائل الاتصال.
فالتكنولوجيا وسيلة للتواصل، لكنها لا تمنح مستخدمها الحق في تعمد إزعاج الآخرين أو مضايقتهم.
عشرون ألف جنيه غرامة.. ماذا يعني تعديل العقوبة؟
انتهت المحكمة إلى تعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بتغريم المتهم عشرين ألف جنيه.
كما أيدت الحكم المستأنف فيما عدا ذلك، وفق منطوق الحكم.
ويجب التمييز هنا بين الغرامة الجنائية والتعويض المدني.
فالغرامة عقوبة مالية تقررها المحكمة في إطار الدعوى الجنائية، بينما يرتبط التعويض المدني بجبر الضرر وفق القواعد القانونية المنطبقة.
وقد تضمن حكم أول درجة تعويضًا مدنيًا مؤقتًا قدره عشرون ألف جنيه، وأيد الحكم الاستئنافي القضاء المستأنف فيما عدا التعديل الذي أجراه.
ولهذا لا يصح الخلط بين الغرامة الجنائية البالغة عشرين ألف جنيه والتعويض المدني المؤقت الذي ورد في الحكم.
كما أن تعديل العقوبة لا يعني بالضرورة انتفاء المسؤولية الجنائية، بل قد يعكس اختلاف النتيجة التي انتهت إليها المحكمة بشأن الاتهامات أو تقديرها للعقوبة المناسبة في حدود القانون.
الأدلة الرقمية.. هل تكفي لقطة شاشة للإدانة؟
تكشف هذه القضية عن أهمية الأدلة الرقمية في المنازعات الجنائية الحديثة.
فالمحادثات الإلكترونية قد تحتوي على معلومات دقيقة تتعلق بتوقيت الرسائل وتسلسلها وطبيعة التواصل بين الأطراف.
لكن إثبات الواقعة لا يعتمد على مجرد وجود صورة لمحادثة.
فقد تكون لقطة الشاشة مقتطعة من سياق أطول، أو غير واضحة المصدر، أو محل نزاع بشأن نسبتها إلى شخص معين.
ولهذا فإن التقييم الفني قد يحتاج إلى فحص الهاتف أو الحساب أو المحادثة الأصلية أو البيانات المرتبطة بها، بحسب ظروف الواقعة والإجراءات القانونية المتاحة.
كما قد يتطلب التحقق من سلامة الدليل وعدم العبث به، ومدى اتساقه مع بقية الأدلة.
وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة عندما يكون النزاع متعلقًا بمعنى عبارة معينة أو بما إذا كانت الرسائل أحادية الجانب أو جزءًا من حوار متبادل.
فقد تؤدي قراءة رسالة واحدة منفصلة إلى فهم مختلف تمامًا عن قراءة المحادثة كاملة.
ولهذا فإن العدالة الرقمية تحتاج إلى الجمع بين الخبرة القانونية والفحص الفني.
فالتقرير التقني يمكن أن يساعد على إثبات وجود الرسائل ونسبتها وسلامتها، لكن التكييف القانوني لمضمونها يظل من اختصاص الجهات القضائية.
الذكاء الاصطناعي وتحليل المحادثات.. فرصة أم خطر؟
مع التطور السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت هناك أنظمة قادرة على تحليل آلاف الرسائل واستخراج الموضوعات المتكررة وتحديد بعض الأنماط اللغوية.
وقد تبدو هذه القدرات مفيدة في القضايا التي تتضمن كميات كبيرة من الأدلة الرقمية.
لكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تفسير النوايا أو تصنيف الرسائل باعتبارها تحرشًا أو تهديدًا أو مضايقة يثير مخاطر مهمة.
فاللغة البشرية معقدة، وقد تتغير دلالة العبارة بحسب السياق والعلاقة بين الأطراف وطريقة التعبير.
وقد تفشل الأنظمة الذكية في فهم السخرية أو التلميح أو الفروق الثقافية أو الظروف المهنية المحيطة بالمحادثة.
كما قد تنتج نتائج متحيزة إذا اعتمدت على بيانات تدريب لا تمثل تنوع الاستخدامات اللغوية والاجتماعية.
ولهذا يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تنظيم الأدلة والبحث داخلها، لكن لا ينبغي التعامل مع تصنيفاته بوصفها أحكامًا قانونية نهائية.
فالقرار الجنائي يتطلب تقدير الأدلة في ضوء القانون، وليس مجرد حساب احتمالات لغوية.
كما يجب أن تكون الأدوات المستخدمة قابلة للمراجعة، وأن تخضع لرقابة بشرية حقيقية، مع حماية خصوصية الأطراف وسرية البيانات.
بين حرية التعبير وحق الإنسان في عدم التعرض للمضايقة
تطرح قضايا التواصل الإلكتروني تحديًا يتعلق بالموازنة بين حرية التعبير وحماية الأفراد من الإزعاج والتحرش والتهديد.
فحرية التعبير لا تعني الحق في تعمد مضايقة الآخرين.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز اعتبار كل خلاف أو عبارة غير مرغوبة جريمة جنائية.
فالمجتمع الرقمي بطبيعته يشهد اختلافات في الآراء وأساليب التعبير.
وقد تحدث مناقشات حادة أو سجالات أو سوء فهم بين المستخدمين.
لكن تدخل القانون الجنائي يجب أن يظل مرتبطًا بتوافر أركان الجريمة وثبوتها بالأدلة.
وهذا التوازن ضروري لحماية الحقوق من جانبين.
فهو يحمي الأفراد من إساءة استعمال التكنولوجيا، ويحمي كذلك الأشخاص من الإدانة بناءً على تفسيرات ظنية أو أدلة غير كافية.
والعدالة لا تتحقق بالتوسع غير المنضبط في التجريم، كما لا تتحقق بالتساهل مع السلوك الذي يثبت أنه يمثل اعتداءً على حقوق الآخرين.
بيئة العمل.. لماذا تحتاج المؤسسات إلى سياسات واضحة للتواصل الإلكتروني؟
تكتسب القضية أهمية إضافية لأنها نشأت في إطار علاقة عمل.
فالمحادثات المهنية عبر التطبيقات الشخصية أصبحت شائعة في كثير من المؤسسات.
وقد يستخدم المديرون والموظفون تطبيقات المراسلة لتوزيع المهام أو متابعة العمل أو تبادل المستندات.
لكن غياب الحدود الواضحة بين التواصل المهني والشخصي قد يخلق مشكلات متعددة.
فقد يتلقى الموظف رسائل خارج ساعات العمل، أو يواجه تعليقات شخصية غير مناسبة، أو يشعر بالضغط للاستمرار في التواصل مع شخص يمتلك سلطة وظيفية عليه.
ولهذا ينبغي أن تضع المؤسسات قواعد واضحة للتواصل الإلكتروني، تحدد القنوات الرسمية للعمل، وحدود استخدام التطبيقات الشخصية، وآليات الإبلاغ عن المضايقات، وإجراءات التحقيق الداخلي.
كما يجب أن تحمي هذه السياسات حقوق جميع الأطراف، وأن تضمن سرية الشكاوى وعدم الانتقام من مقدميها، مع احترام قرينة البراءة وحق الدفاع.
فوجود سياسة مؤسسية واضحة قد يساعد على منع النزاعات قبل تحولها إلى قضايا جنائية.
كيف يحمي المواطن نفسه قانونيًا ورقميًا؟
تقدم هذه القضية دروسًا عملية مهمة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
فعند التعرض لرسائل تتضمن تهديدًا أو مضايقة أو محتوى غير مرغوب فيه، من المهم الحفاظ على الأدلة وعدم حذف المحادثات أو تعديلها.
كما يُفضل الاحتفاظ بالمحادثة كاملة، مع البيانات التي تساعد على تحديد مصدرها وتوقيتها، دون نشر المحتوى الخاص على نطاق واسع.
وقد يكون من المناسب توثيق طلب وقف التواصل، متى كان ذلك آمنًا، ثم اللجوء إلى القنوات الرسمية عند استمرار السلوك أو تصاعده.
أما من جانب المرسل، فإن احترام حدود الآخرين يمثل قاعدة أساسية.
فلا ينبغي افتراض أن العلاقة المهنية أو الشخصية تسمح بإرسال أي نوع من الرسائل.
كما أن المزاح لا يحمي بالضرورة من المسؤولية إذا توافرت أركان جريمة معينة.
والأهم أن الرسالة الإلكترونية قد تبقى محفوظة لسنوات، وقد يُعاد تقييمها لاحقًا في سياق قانوني مختلف.
ولهذا فإن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا يتطلب التفكير في أثر الكلمات قبل إرسالها.
هل يضع الحكم قاعدة جديدة لجميع مستخدمي التواصل الاجتماعي؟
من المهم التمييز بين القيمة التحليلية للحكم وبين اعتباره قاعدة عامة تحسم جميع القضايا المشابهة.
فالحكم الصادر في دعوى معينة يرتبط بوقائعها وأدلتها والاتهامات المطروحة فيها.
وقد تختلف النتيجة في قضية أخرى إذا كانت الرسائل تتضمن تهديدًا صريحًا، أو ضغطًا وظيفيًا، أو إلحاحًا متكررًا، أو أدلة إضافية تثبت قصدًا جنائيًا معينًا.
كما أن تقدير المحادثة المتبادلة يختلف بحسب طبيعتها وظروفها.
ولهذا لا يجوز الاستناد إلى هذا الحكم للقول إن الرد على الرسائل ينفي التحرش دائمًا، أو إن العبارات المحتملة لا يمكن أن تكون جزءًا من دليل جنائي.
بل ينبغي فهمه باعتباره مثالًا على ضرورة التحقق من الأركان القانونية لكل اتهام، وعدم افتراض القصد الخاص دون أدلة كافية.
وهذا الفهم أكثر اتساقًا مع مبادئ العدالة الجنائية من محاولة اختزال الحكم في عبارة صحفية مثيرة.
خاتمة.. العدالة الرقمية تبدأ من فهم السياق
تكشف القضية رقم 590 لسنة 2024 جنح مستأنف بمحكمة القاهرة الاقتصادية عن تحديات جديدة تواجه العدالة في عصر التواصل الإلكتروني.
فالمحادثة الرقمية قد تكون دليلًا على سلوك مجرّم، وقد تكون في الوقت نفسه غير كافية لإثبات وصف جنائي آخر.
وقد تتضمن الرسائل عبارات غير مناسبة دون أن تستوفي جميع أركان جريمة التحرش الجنسي بالوصف المطروح.
كما قد يثبت تعمد الإزعاج بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات رغم عدم ثبوت القصد الجنسي الخاص.
وهذا هو جوهر التمييز الذي انتهى إليه الحكم.
فالمحكمة لم تعتبر أن المحادثة المتبادلة تمنح حصانة من المساءلة، ولم تقرر أن كل عبارة محتملة تعد جريمة، وإنما ميزت بين الاتهامين وفق الأدلة التي اطمأنت إليها.
وفي عالم أصبحت فيه الرسائل الإلكترونية جزءًا من العلاقات الإنسانية والمهنية، فإن هذه القضية تقدم درسًا مزدوجًا.
الدرس الأول أن حماية الأفراد من المضايقات والتحرش والتهديد ضرورة قانونية واجتماعية لا يجوز التهاون فيها.
أما الدرس الثاني فهو أن حماية المجتمع من الجرائم لا ينبغي أن تكون على حساب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
فالعدالة لا تتحقق بإدانة كل رسالة مثيرة للجدل، ولا بتبرير كل سلوك مسيء باعتباره مجرد حوار متبادل.
بل تتحقق عندما تُقرأ الأدلة كاملة، ويُفهم السياق، وتُثبت الأركان القانونية، وتُحدد المسؤولية على أساس اليقين القضائي لا الظن.
والقاعدة التي يجب أن يتذكرها الجميع بسيطة: قد تكون رسالة واتساب مجرد كلمات في نظر مرسلها، لكنها قد تصبح دليلًا أمام المحكمة، وقد يترتب عليها أثر قانوني يستمر سنوات.
ولهذا فإن احترام الآخرين في العالم الرقمي ليس مجرد سلوك اجتماعي محمود، بل ضرورة لحماية الحقوق والحريات، وضمان أن تظل التكنولوجيا وسيلة للتواصل لا أداة للمضايقة أو الضغط أو الإيذاء.
الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية







