هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التجسس على محادثات واتساب؟ الحقيقة وراء التحذيرات المتداولة
بين المخاوف من انتهاك الخصوصية وحقائق التشفير.. ما الذي تغير بالفعل في واتساب بعد ظهور الذكاء الاصطناعي؟
- هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التجسس على محادثات واتساب؟ الحقيقة وراء التحذيرات المتداولة
- بين المخاوف من انتهاك الخصوصية وحقائق التشفير
- ما الذي تغير بالفعل في واتساب بعد ظهور الذكاء الاصطناعي؟
- أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التجسس على محادثات واتساب؟ الحقيقة وراء التحذيرات المتداولة
بين المخاوف من انتهاك الخصوصية وحقائق التشفير.. ما الذي تغير بالفعل في واتساب بعد ظهور الذكاء الاصطناعي؟
بقلم: الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
أثارت رسالة متداولة عبر مجموعات تطبيق واتساب حالة من القلق بين المستخدمين، بعدما حذرت من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على قراءة المحادثات الجماعية والوصول إلى أرقام الهواتف والبيانات الشخصية، ما لم يقم مسؤولو المجموعات بتفعيل خاصية جديدة تُعرف باسم «خصوصية الدردشة المتقدمة». وانتشرت هذه الرسالة بصيغة تحذيرية عاجلة، تدعو إلى اتخاذ إجراءات فورية لحماية المحادثات من الوصول غير المصرح به. ورغم أن الرسالة تشير إلى خاصية حقيقية أطلقتها شركة واتساب، فإنها تخلط بين وظائف أمنية موجودة بالفعل وادعاءات غير دقيقة بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على الاطلاع على المحادثات الخاصة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت يشهد فيه العالم توسعًا غير مسبوق في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل التطبيقات الرقمية التي يستخدمها مليارات الأشخاص يوميًا. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقلة يلجأ إليها المستخدم لطرح الأسئلة أو إنتاج النصوص والصور، بل أصبح جزءًا من منظومة الخدمات الرقمية، بما فيها تطبيقات التواصل الاجتماعي والمراسلة الفورية ومحركات البحث والمنصات التعليمية والخدمات المصرفية. وقد أدى هذا التوسع إلى ظهور تساؤلات مشروعة حول حدود وصول الأنظمة الذكية إلى المعلومات الشخصية، ومدى قدرة الشركات على حماية خصوصية المستخدمين في ظل التطور السريع لهذه التقنيات.
ولفهم حقيقة التحذيرات المتداولة، يجب أولًا التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة، وهي التشفير الذي يحمي محتوى المحادثات، وميزات الذكاء الاصطناعي التي يمكن للمستخدم استدعاؤها داخل التطبيق، وإعدادات الخصوصية الإضافية التي تتحكم في كيفية مشاركة محتوى المحادثات أو استخدامه. فالخلط بين هذه الجوانب يؤدي إلى استنتاجات غير صحيحة، ويجعل المستخدم يعتقد أن ظهور أي خاصية جديدة للحماية يعني بالضرورة وجود خطر أمني جديد أو أن الحماية السابقة أصبحت غير فعالة.
ويعتمد تطبيق واتساب في حماية الرسائل الشخصية والجماعية على تقنية التشفير التام بين الطرفين، المعروفة باسم End-to-End Encryption، وهي آلية أمنية تهدف إلى ضمان أن محتوى الرسائل والمكالمات لا يمكن الاطلاع عليه أثناء انتقاله بين الأجهزة إلا من خلال الأطراف المصرح لها بالمشاركة في المحادثة. وبموجب هذا النموذج، لا تستطيع خوادم واتساب قراءة محتوى الرسائل المشفرة في الظروف العادية، لأن مفاتيح فك التشفير اللازمة للاطلاع عليها تكون مرتبطة بأجهزة المشاركين في الاتصال.
وهذا يعني أن مجرد وجود مساعد ذكاء اصطناعي داخل تطبيق واتساب لا يمنحه تلقائيًا القدرة على قراءة جميع المحادثات الخاصة أو الجماعية. كما أن عدم تفعيل خاصية خصوصية إضافية لا يؤدي بصورة تلقائية إلى إلغاء التشفير أو السماح للذكاء الاصطناعي بالاطلاع على الرسائل. وتُعد هذه النقطة جوهرية في تقييم الرسائل التحذيرية المنتشرة، لأن الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة جميع المحادثات بمجرد عدم تفعيل إعداد معين لا يتفق مع الطريقة المعلنة التي تعمل بها حماية الرسائل داخل التطبيق.
ومع ذلك، فإن وجود التشفير لا يعني أن جميع أشكال البيانات المرتبطة باستخدام التطبيق تتمتع بالمستوى نفسه من الحماية. فهناك فرق بين محتوى الرسائل وبين البيانات التشغيلية أو المعلومات المتعلقة بالحساب واستخدام الخدمة، كما توجد حالات يختار فيها المستخدم مشاركة محتوى معين مع خدمة أخرى أو مع مساعد ذكاء اصطناعي. ولذلك، فإن فهم الخصوصية الرقمية يتطلب النظر إلى طبيعة البيانات التي يجري تبادلها، والجهة التي تتلقاها، والغرض من استخدامها، وليس الاكتفاء بالقول إن التطبيق مشفر أو غير مشفر.
وفي الثالث والعشرين من أبريل عام 2025، أعلنت واتساب رسميًا إطلاق خاصية «خصوصية الدردشة المتقدمة»، المعروفة باسم Advanced Chat Privacy، بوصفها طبقة إضافية من الحماية يمكن استخدامها داخل المحادثات الفردية والجماعية. وتهدف هذه الخاصية إلى تقليل احتمالات انتقال محتوى المحادثات إلى خارج نطاقها من خلال بعض الوظائف المعتادة داخل التطبيق، خصوصًا عندما يتبادل المشاركون معلومات يرغبون في إبقائها ضمن المجموعة.
وعند تفعيل هذه الخاصية، يمنع واتساب استخدام وظيفة تصدير سجل المحادثة بالطريقة المعتادة، كما يوقف الحفظ التلقائي للوسائط المتبادلة داخل المحادثة في معرض الصور على الهاتف، ويقيّد استخدام بعض ميزات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بمحتوى المحادثة. وتوفر هذه الإجراءات مستوى إضافيًا من التحكم في تداول المعلومات، لكنها لا تعني أن الرسائل كانت متاحة سابقًا للذكاء الاصطناعي دون قيود، ولا أن تشغيل الخاصية يمثل علاجًا لاختراق أمني جرى اكتشافه حديثًا.
وتبرز أهمية هذه الخاصية بصورة خاصة في المجموعات المهنية والأكاديمية والإدارية، حيث يتبادل المشاركون أحيانًا مستندات داخلية أو معلومات تتعلق بالعمل أو المناقشات المؤسسية أو بيانات لا يُفترض نشرها خارج المجموعة. ففي مثل هذه البيئات، قد يؤدي تصدير سجل المحادثة أو الحفظ التلقائي للملفات والصور إلى زيادة احتمالات تداول المعلومات خارج السياق الذي قُدمت فيه. ولذلك، فإن الحد من هذه الوظائف يمكن أن يسهم في تعزيز الانضباط المعلوماتي، حتى وإن لم يوفر ضمانًا مطلقًا لسرية المحتوى.
ومن المهم هنا التأكيد أن خاصية خصوصية الدردشة المتقدمة لا تستطيع منع جميع وسائل نسخ المعلومات أو نقلها. فالمشارك في المحادثة قد يتمكن من تصوير الشاشة أو إعادة كتابة الرسائل أو تصوير محتوى الهاتف باستخدام جهاز آخر. كما أن أي نظام يعتمد على ثقة المشاركين لا يمكنه ضمان عدم قيام أحدهم بالإفصاح عن المعلومات التي اطلع عليها بصورة مشروعة. ولهذا، فإن الخصوصية الرقمية لا تتحقق من خلال الإعدادات التقنية وحدها، بل تتطلب أيضًا وعي المستخدمين والتزامهم بقواعد التعامل مع المعلومات.
أما الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع الوصول تلقائيًا إلى أرقام الهواتف والبيانات الشخصية المخزنة على أجهزة جميع أعضاء المجموعة، فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة تقنية محددة لا توفرها الرسالة المتداولة. فلا توجد علاقة مباشرة بين عدم تفعيل خصوصية الدردشة المتقدمة وبين منح مساعد الذكاء الاصطناعي صلاحية عامة للوصول إلى محتويات الهاتف. وتخضع صلاحيات التطبيقات للوصول إلى البيانات المحلية لمجموعة من الضوابط المرتبطة بنظام التشغيل وإعدادات الخصوصية والأذونات الممنوحة للتطبيق، فضلًا عن سياسات معالجة البيانات الخاصة بالخدمة.
لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى الحذر عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل تطبيقات المراسلة. فعندما يختار المستخدم إرسال معلومات شخصية أو مستندات أو تفاصيل حساسة إلى مساعد ذكي، فإنه ينشئ مسارًا مختلفًا لمعالجة تلك المعلومات، قد يخضع لسياسات واحتفاظ بالبيانات تختلف عن المحادثات الشخصية المشفرة. ولذلك، ينبغي تجنب مشاركة كلمات المرور والبيانات المالية والمعلومات الطبية السرية والمستندات المؤسسية الحساسة مع أدوات الذكاء الاصطناعي دون التأكد من الضوابط التي تحكم استخدامها.
وتكشف الرسائل التحذيرية المتداولة عن مشكلة أوسع تتعلق بطريقة انتشار المعلومات التقنية بين المستخدمين. فكثيرًا ما تبدأ هذه الرسائل بمعلومة صحيحة، مثل إطلاق ميزة أمنية جديدة، ثم تضيف إليها استنتاجات غير موثقة أو سيناريوهات مبالغًا فيها، قبل أن تطلب من المتلقي إعادة نشر التحذير بصورة عاجلة. ويمنح هذا الأسلوب الرسالة قدرًا من المصداقية لأنها تتضمن اسم خاصية حقيقية وخطوات يمكن تنفيذها بالفعل، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى نشر تصور غير صحيح عن طبيعة المخاطر.
وقد أصبحت هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن المستخدم العادي قد لا يستطيع التمييز بسهولة بين القدرات الفعلية للنماذج الذكية والقدرات التي تُنسب إليها في المنشورات المتداولة. فهناك اعتقاد شائع بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع الوصول إلى جميع المعلومات الرقمية بمجرد وجوده داخل التطبيق، بينما تعتمد قدرته الفعلية على البيانات التي تُتاح له، والأذونات الممنوحة، والتصميم التقني للخدمة، والسياسات التي تحكم تشغيلها.
ولا يمكن إنكار أن تطور الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات حقيقية أمام الخصوصية. فالنماذج الحديثة تستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات، واستخلاص أنماط وعلاقات قد لا تكون واضحة للمستخدم، وربط معلومات متفرقة لإنتاج استنتاجات جديدة. ولهذا، فإن المخاوف المتعلقة بالخصوصية ليست بلا أساس، لكنها تحتاج إلى معالجة علمية دقيقة تميز بين المخاطر المحتملة والانتهاكات المثبتة والادعاءات غير الصحيحة.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات التعليمية والجامعات، التي تعتمد بصورة متزايدة على مجموعات المراسلة لتنسيق الأنشطة الأكاديمية والإدارية والتواصل بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب. ففي هذه البيئات، قد تحتوي بعض المحادثات على معلومات تخص الطلاب أو الامتحانات أو القرارات الإدارية أو المشروعات البحثية. ومن ثم، فإن استخدام إعدادات الخصوصية المتقدمة يمثل إجراءً مناسبًا في كثير من الحالات، لكنه يجب أن يكون جزءًا من سياسة مؤسسية أوسع لحوكمة المعلومات وحماية البيانات.
ومن الضروري كذلك ألا تتحول تطبيقات المراسلة إلى بديل غير منظم عن الأنظمة المؤسسية المخصصة لإدارة الوثائق والمعلومات الحساسة. فالمحادثات الجماعية توفر سرعة في التواصل وسهولة في تبادل الملفات، لكنها قد لا تقدم جميع متطلبات التحكم في الصلاحيات أو التوثيق أو الاحتفاظ بالسجلات أو إدارة الوصول التي تحتاج إليها المؤسسات. ولذلك، ينبغي تحديد نوعية المعلومات التي يمكن تداولها عبر هذه التطبيقات، وتوفير قنوات أكثر ملاءمة للبيانات التي تتطلب مستويات أعلى من السرية والرقابة.
كما تبرز أهمية دور مسؤولي المجموعات في نشر الوعي الصحيح بين المشاركين. فالمسؤول عن مجموعة أكاديمية أو مهنية لا يقتصر دوره على إضافة الأعضاء أو تنظيم النقاشات، بل يمكنه المساهمة في توضيح قواعد الخصوصية، وتشجيع عدم مشاركة البيانات الحساسة دون ضرورة، وتنبيه المشاركين إلى المخاطر المرتبطة بإعادة نشر المعلومات خارج سياقها. غير أن هذا الدور يجب أن يستند إلى معلومات موثوقة، حتى لا تتحول إجراءات الحماية إلى مصدر للقلق أو سوء الفهم.
ومن الناحية التقنية، يمكن النظر إلى خاصية خصوصية الدردشة المتقدمة باعتبارها مثالًا على مبدأ «الدفاع متعدد الطبقات» في الأمن السيبراني. فالتشفير يوفر حماية أساسية لمحتوى الرسائل أثناء نقلها، بينما تضيف إعدادات الخصوصية قيودًا على بعض طرق التعامل مع المحتوى بعد وصوله إلى المشاركين. وتساعد سياسات الاستخدام والتوعية والتدريب على تقليل المخاطر الناتجة عن السلوك البشري. ولا تستطيع طبقة واحدة من هذه الطبقات أن تحل محل الطبقات الأخرى، لأن طبيعة المخاطر تختلف من حالة إلى أخرى.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إدراك أن الأمن السيبراني لا يقوم على إثارة الخوف من التكنولوجيا، وإنما على فهم كيفية عملها وحدودها. فعندما يعتقد المستخدم أن الذكاء الاصطناعي يستطيع التجسس على جميع محادثاته دون أي قيود، فقد يفقد الثقة في وسائل الحماية الحقيقية أو يتخذ قرارات غير ضرورية. وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن التشفير يوفر حماية مطلقة من جميع أشكال التسريب قد يؤدي إلى إهمال مخاطر أخرى تتعلق بالأجهزة المخترقة أو مشاركة البيانات أو سوء استخدام الصلاحيات.
ولهذا، فإن الثقافة الرقمية الحديثة تحتاج إلى الانتقال من مجرد تعليم المستخدم كيفية تشغيل إعدادات الخصوصية إلى مساعدته على فهم الأسباب التي تجعل هذه الإعدادات مهمة، والمخاطر التي تعالجها، والحدود التي لا تستطيع تجاوزها. فالمستخدم الواعي لا يكتفي بتنفيذ التعليمات المتداولة، بل يبحث عن مصدرها ويتحقق من صحتها ويفهم أثرها قبل إعادة نشرها.
وتتحمل الشركات المطورة للتطبيقات مسؤولية أساسية في هذا المجال، لأن وضوح تصميم إعدادات الخصوصية وطريقة شرحها للمستخدمين يؤثران مباشرة في مستوى الثقة بالخدمة. وكلما كانت المعلومات الرسمية واضحة وسهلة الوصول، قلت فرص انتشار الشائعات التي تستغل الغموض التقني. كما أن تقديم توضيحات دقيقة بشأن كيفية تفاعل ميزات الذكاء الاصطناعي مع المحادثات المشفرة أصبح ضرورة أساسية مع اتساع استخدام هذه الأدوات.
وفي مصر والعالم العربي، تتزايد أهمية هذه القضية مع الانتشار الواسع لتطبيقات المراسلة داخل المؤسسات والأسر والمجموعات المهنية والتعليمية. فالتواصل الرقمي أصبح جزءًا من الحياة اليومية، ولم يعد مقتصرًا على تبادل الرسائل الشخصية. ومن ثم، فإن رفع الوعي بالخصوصية وحماية البيانات يجب أن يصبح جزءًا من برامج الثقافة الرقمية في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية والشركات.
وتوضح هذه الواقعة أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في حماية المحادثات من الوصول غير المصرح به، وإنما أيضًا في حماية المستخدمين من المعلومات التقنية غير الدقيقة. فالشائعة الرقمية قد تدفع آلاف الأشخاص إلى اتخاذ إجراءات بناءً على تصور خاطئ، وقد تؤدي إلى تراجع الثقة في التكنولوجيا حتى عندما تكون آليات الحماية الأساسية ما زالت تعمل بصورة طبيعية.
والحقيقة أن خاصية خصوصية الدردشة المتقدمة في واتساب تمثل إضافة مفيدة يمكن الاستفادة منها، خصوصًا في المجموعات التي تتبادل معلومات لا يُراد تداولها خارج نطاق المشاركين. لكنها ليست دليلًا على أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على قراءة جميع الرسائل أو الوصول تلقائيًا إلى البيانات الشخصية المخزنة على الهواتف. كما أن عدم تفعيلها لا يعني سقوط الحماية الأساسية التي يوفرها التشفير التام بين الطرفين.
إن الدرس الأهم من هذه القضية هو أن حماية الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى توازن بين الاستفادة من الإمكانات الجديدة للتكنولوجيا وبين إدراك مخاطرها الحقيقية. فلا ينبغي تجاهل التطورات الأمنية أو التقليل من أهمية إعدادات الحماية، كما لا ينبغي تحويل كل ميزة جديدة إلى دليل على وجود تهديد شامل لخصوصية المستخدمين.
فالذكاء الاصطناعي لا يصبح قادرًا على قراءة جميع محادثاتنا لمجرد وجوده داخل تطبيق المراسلة، كما أن تفعيل إعداد واحد لا يجعل معلوماتنا محصنة ضد جميع المخاطر. الحماية الحقيقية تبدأ بفهم التكنولوجيا، والتحقق من المعلومات، واستخدام الأدوات المناسبة، والتعامل المسؤول مع البيانات الشخصية.
وفي عالم تتسارع فيه الابتكارات الرقمية، لم تعد المعرفة التقنية ترفًا يقتصر على المتخصصين، بل أصبحت ضرورة لكل مستخدم يسعى إلى حماية خصوصيته وحقوقه الرقمية. وربما يكون أخطر ما يواجه المستخدم اليوم ليس التكنولوجيا التي لا يفهمها، وإنما المعلومات غير الدقيقة التي تجعله يخشى قدراتها بصورة مبالغ فيها أو يثق بحمايتها دون إدراك حدودها.
إن الخصوصية الرقمية لا تُحمى بالخوف من الذكاء الاصطناعي، بل بالوعي بكيفية عمله، وبالقدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والشائعة، وبين الإجراء الأمني المفيد والادعاء الذي يفتقر إلى الدليل.
الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
22 أكتوبر 2026







