اللجنة العلمية بنقابة المهندسين تنظم ندوة حول «الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر.. النشأة والتطور»
- اللجنة العلمية بنقابة المهندسين تنظم ندوة حول «الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر
- نظمت اللجنة العلمية بالنقابة العامة للمهندسين ندوة علمية بعنوان «الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر
- النشأة والتطور»، في إطار اهتمام النقابة بنشر المعرفة العلمية والتكنولوجية، وربط المجتمع الهندسي بالقضايا الاستراتيجية والمشروعات القومية والتطورات العلمية التي تشهدها الدولة المصرية
- وجاءت الندوة في توقيت تتزايد فيه أهمية م
اللجنة العلمية بنقابة المهندسين تنظم ندوة حول «الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر.. النشأة والتطور»
كتب ا. د. وائل بدوى
نظمت اللجنة العلمية بالنقابة العامة للمهندسين ندوة علمية بعنوان «الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر.. النشأة والتطور»، في إطار اهتمام النقابة بنشر المعرفة العلمية والتكنولوجية، وربط المجتمع الهندسي بالقضايا الاستراتيجية والمشروعات القومية والتطورات العلمية التي تشهدها الدولة المصرية.
وجاءت الندوة في توقيت تتزايد فيه أهمية ملف الطاقة النووية والاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية والإشعاعية، خاصة مع التقدم في تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية، وما يرتبط به من فرص لتوطين التكنولوجيا وإعداد الكوادر الهندسية والفنية وتعميق المشاركة الصناعية المصرية.
واستضافت الندوة الأستاذ الدكتور وليد ابراهيم زيدان ، أستاذ الهندسة الإنشائية النووية، الذي تناول خلال اللقاء التطور التاريخي للأنشطة النووية والإشعاعية في مصر، والمراحل التي مر بها البرنامج النووي المصري، إلى جانب التطبيقات المختلفة للتكنولوجيا النووية والإشعاعية وأهميتها في دعم التنمية.
رحلة علمية من البدايات إلى المشروعات الحديثة
ناقشت الندوة تطور الاهتمام المصري بالعلوم والتطبيقات النووية عبر عقود طويلة، وانتقال هذه الأنشطة من مرحلة بناء المؤسسات والقدرات البحثية إلى مرحلة أكثر اتساعًا تشمل تطبيقات متعددة في مجالات الطاقة والطب والصناعة والزراعة والبحث العلمي.
وأكدت المناقشات أن الحديث عن النشاط النووي لا ينبغي اختزاله في إنتاج الكهرباء فقط، فالتكنولوجيا النووية والإشعاعية تمتلك نطاقًا واسعًا من التطبيقات السلمية التي يمكن أن تسهم في تطوير قطاعات اقتصادية وعلمية مختلفة.
كما تناول الحوار أهمية النظر إلى المشروعات النووية الكبرى باعتبارها فرصة لبناء قدرات وطنية مستدامة، وليس فقط باعتبارها مشروعات للبنية الأساسية، حيث ترتبط القيمة طويلة الأجل لهذه المشروعات بحجم المعرفة التي تنتقل إلى المهندسين المصريين، وقدرة الصناعة المحلية على المشاركة في سلاسل التوريد، ونمو الخبرات الوطنية في التشغيل والصيانة والجودة والأمان.
وتحدثت ا . حنان دياب عن دور المعمل المركزي القياسات الإشعاعية والذي يمثل المحور الأساسي للكشف الإشعاعي في المجالات المختلفة بالإضافة إلي دور محطات الرصد الإشعاعي المستمرة والمرتبطة بشبكة المعلومات الرئيسية….كما تحدثت ا.د.عبير امين عن التطبيقات الإشعاعية في المجال الطبي وإنتاج العديد من النظائر المشعة والتي تستخدم في التصوير الإشعاعي وايضا في علاج الأمراض مثل الغدة الدرقية والسرطان ..
الضبعة وبناء جيل جديد من المهندسين
وحظي مشروع محطة الضبعة النووية باهتمام واضح خلال المناقشات، باعتباره أحد أكبر المشروعات التكنولوجية والهندسية التي تشهدها مصر، وما يتيحه من فرصة لإعداد أجيال جديدة من المتخصصين في المجالات المرتبطة بالطاقة النووية.
ولا تقتصر احتياجات القطاع النووي على تخصص واحد، بل تمتد إلى الهندسة المدنية والإنشائية والكهربائية والميكانيكية وهندسة التحكم والإلكترونيات والمواد، بالإضافة إلى علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني.
ومن هنا برزت أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية والجهات العاملة في القطاع النووي، بما يسمح للطلاب والباحثين بالتعرف بصورة أكبر على المشكلات الهندسية الحقيقية، وربط مشروعات التخرج والدراسات العليا باحتياجات الصناعة والمشروعات القومية.
الأمان النووي مسؤولية هندسية ومجتمعية
وتطرقت الندوة كذلك إلى قضية الأمان المرتبطة بالأنشطة النووية والإشعاعية، وهي من القضايا التي تحظى باهتمام كبير لدى الرأي العام.
ويظل نشر الثقافة العلمية الدقيقة أحد أهم عناصر بناء الثقة المجتمعية؛ فمصطلح «نووي» يشمل طيفًا واسعًا من التطبيقات المختلفة، ولا ينبغي الخلط بين محطات إنتاج الكهرباء والاستخدامات الطبية والصناعية للإشعاع وبين الاستخدام العسكري للطاقة النووية.
كما أن ثقافة الأمان في المنشآت عالية الحساسية لا تتوقف عند وجود لوائح وإجراءات مكتوبة، وإنما تعتمد على منظومة متكاملة تشمل التصميم والتشغيل والتدريب والرقابة والاستجابة للطوارئ والمراجعة المستمرة.
الذكاء الاصطناعي يدخل المجال النووي
وفتح النقاش كذلك الباب أمام أحد الموضوعات المستقبلية المهمة، وهو العلاقة بين التكنولوجيا النووية والتطور السريع في الذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية وتحليل البيانات والصيانة التنبؤية.
فالمنشآت الهندسية الحديثة تنتج كميات ضخمة من بيانات المستشعرات وأنظمة المراقبة، ويمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي المساعدة في تحليل هذه البيانات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية والتنبؤ ببعض الأعطال ودعم قرارات الصيانة.
وفي المقابل، تظل التطبيقات النووية من المجالات التي تتطلب مستويات مرتفعة للغاية من التحقق والاعتمادية والرقابة البشرية، وهو ما يجعلها مجالًا مهمًا لدراسة مفهوم الذكاء الاصطناعي الموثوق والآمن وليس مجرد تطبيق الخوارزميات بصورة تقليدية.
الأمن السيبراني أصبح جزءًا من أمن المنشآت
ومع التحول الرقمي المتزايد للمنشآت الصناعية، أصبحت قضية الأمن السيبراني ذات أهمية متنامية في البنية التحتية الحيوية.
فالمنشأة النووية الحديثة لا تتكون فقط من الخرسانة والمعدات والأنظمة الميكانيكية، وإنما تضم كذلك أنظمة تحكم ومراقبة واتصالات وبرمجيات وشبكات رقمية.
ولذلك فإن إعداد مهندسي المستقبل يتطلب وعيًا بالتداخل المتزايد بين الهندسة التقليدية والتكنولوجيا الرقمية والأمن السيبراني، خصوصًا في القطاعات التي لا يسمح فيها بوجود هامش كبير للخطأ.
اللجنة العلمية ودورها في إعادة المهندس إلى قلب الحوار العلمي
وتعكس الندوة توجهًا مهمًا للجنة العلمية بالنقابة العامة للمهندسين نحو توسيع دور النقابة بوصفها منصة للمعرفة والحوار المهني، إلى جانب دورها النقابي والخدمي.
فالمهندس اليوم يعمل في عالم تتغير فيه التكنولوجيا بسرعة غير مسبوقة. الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والتحول الرقمي والأمن السيبراني والروبوتات والتكنولوجيا النووية لم تعد موضوعات مستقبلية، وإنما أصبحت جزءًا من المشروعات والصناعات الحالية.
ومن ثم فإن التطوير المهني المستمر لم يعد رفاهية.
الشهادة الجامعية تمنح المهندس نقطة البداية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه المعرفة التي سيحتاج إليها طوال ثلاثين أو أربعين عامًا من حياته المهنية.
وهنا تستطيع اللجان العلمية بالنقابات المهنية أن تؤدي دورًا مهمًا من خلال المحاضرات والندوات وورش العمل واستضافة الخبراء وربط المهندسين بالتطورات الحديثة في تخصصاتهم.
المطلوب سلسلة من الحوارات لا ندوة واحدة
والقيمة الحقيقية لمثل هذه الفعاليات تزداد عندما تتحول إلى سلسلة متصلة من اللقاءات المتخصصة.
فملف الطاقة النووية وحده يمكن أن يمتد إلى ندوات مستقلة حول الأمان النووي، والحماية من الإشعاع، وإدارة النفايات، والتطبيقات الطبية، والتصنيع المحلي، والكوادر البشرية، والأمن السيبراني للمنشآت النووية، والذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية، ومستقبل مزيج الطاقة المصري.
كما يمكن إشراك شباب المهندسين وطلاب كليات الهندسة بصورة أكبر، لأن هؤلاء هم من سيتولون تشغيل وتطوير المشروعات التكنولوجية المصرية خلال العقود المقبلة.
والأهم أن تكون الندوة العلمية مساحة للحوار وليس مجرد منصة للمحاضرة، بحيث يستطيع المهندس أن يسأل ويناقش ويختلف ويخرج من القاعة وفي ذهنه أسئلة جديدة تستحق البحث.
المعرفة أيضًا جزء من الأمن القومي
قد يبدو تنظيم ندوة علمية نشاطًا بسيطًا مقارنة بحجم مشروع مثل محطة نووية، لكن بناء القدرات الوطنية يبدأ في كثير من الأحيان من نشر المعرفة الصحيحة.
الدولة تستطيع شراء المعدات.
وتستطيع التعاقد على التكنولوجيا.
وتستطيع إنشاء المنشآت.
لكن بناء الإنسان القادر على فهم التكنولوجيا وتشغيلها وتطويرها ونقدها وتأمينها ثم نقل معرفتها إلى الجيل التالي يحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب والحوار العلمي.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به اللجنة العلمية بالنقابة العامة للمهندسين.
فالنقابة ليست فقط المكان الذي يلجأ إليه المهندس للحصول على خدمة مهنية، وإنما يمكن أن تكون أيضًا المكان الذي يعود إليه ليعرف:
ماذا تغير في مهنته؟ وإلى أين تتحرك التكنولوجيا؟ وكيف يستعد لما هو قادم؟
وتأتي ندوة «الأنشطة النووية والإشعاعية في مصر.. النشأة والتطور» نموذجًا لهذا الدور؛ فهي تستعيد تاريخًا علميًا مصريًا يمتد لعقود، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام السؤال الأهم:
كيف نحول المعرفة والخبرة المتراكمة والمشروعات الكبرى التي تنفذها مصر اليوم إلى مدرسة هندسية وعلمية مصرية قادرة على الاستمرار والتطور؟
لأن المشروعات الكبرى تُبنى بالخرسانة والحديد والمعدات، لكن الدول التكنولوجية تُبنى بشيء آخر أكثر أهمية:
المعرفة… والمهندس القادر على امتلاكها وتطويرها ونقلها إلى من يأتي بعده.




