1293 عالمًا مصريًا بين الأكثر تأثيرًا عالميًا… إنجاز علمي أم جرس إنذار لمنظومة البحث العلمي؟
بين التصنيفات الدولية وعدالة التقييم العلمي… لماذا يظهر بعض الباحثين ويختفي آخرون رغم استمرار إنتاجهم البحثي؟
- 1293 عالمًا مصريًا بين الأكثر تأثيرًا عالميًا… إنجاز علمي أم جرس إنذار لمنظومة البحث العلمي؟
- بين التصنيفات الدولية وعدالة التقييم العلمي… لماذا يظهر بعض الباحثين ويختفي آخرون رغم استمرار إنتاجهم البحثي؟
- أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
- في التاسع من أكتوبر 2026، نشرت صحيفة القاهرة 24 تقريرًا تناول إدراج 1293 باحثًا مصريًا ضمن قائمة العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا وفق بيانات عام 2025، إلى جانب 659 با
1293 عالمًا مصريًا بين الأكثر تأثيرًا عالميًا… إنجاز علمي أم جرس إنذار لمنظومة البحث العلمي؟
بين التصنيفات الدولية وعدالة التقييم العلمي… لماذا يظهر بعض الباحثين ويختفي آخرون رغم استمرار إنتاجهم البحثي؟
بقلم أ. د. وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
في التاسع من أكتوبر 2026، نشرت صحيفة القاهرة 24 تقريرًا تناول إدراج 1293 باحثًا مصريًا ضمن قائمة العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا وفق بيانات عام 2025، إلى جانب 659 باحثًا مصريًا في تصنيف التأثير العلمي الممتد على مدار المسيرة البحثية.
ووفقًا للتحليل المنشور، توزع الباحثون المصريون على نحو 197 جهة أكاديمية وبحثية، وتصدر المركز القومي للبحوث المؤسسات البحثية من حيث عدد المدرجين، بينما جاءت جامعة القاهرة في مقدمة الجامعات المصرية.
هذه الأرقام تستحق التقدير، لأنها تعكس حضورًا مصريًا في الإنتاج العلمي الدولي، وتؤكد أن الباحث المصري قادر على المنافسة في بيئة علمية عالمية شديدة التعقيد.
لكن الاحتفاء بهذه النتائج يجب ألا يمنعنا من طرح مجموعة من الأسئلة المهمة: ماذا تعني هذه القوائم؟ وهل تقيس التأثير العلمي الحقيقي؟ ولماذا قد يختفي باحث من القائمة رغم زيادة أبحاثه واستشهاداته ومؤشراته العلمية؟ وهل يمكن أن تتحول التصنيفات من وسيلة لتقدير الإنجاز إلى أداة غير عادلة للحكم على الباحثين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب فهمًا أعمق لطبيعة التصنيفات العلمية، وحدودها المنهجية، وكيفية استخدامها في تقييم الباحثين والمؤسسات.
أولًا: ماذا يعني وجود 1293 باحثًا مصريًا في القائمة؟
تعتمد القوائم المعروفة إعلاميًا باسم تصنيف ستانفورد لأفضل 2% من العلماء على قاعدة بيانات ببليومترية طورها باحثون بالتعاون مع دار النشر العلمية إلسيفير، وتستخدم بيانات الاستشهادات العلمية المستمدة من قاعدة سكوبس.
وتتضمن هذه القوائم تقييمين مختلفين؛ أحدهما يقيس التأثير التراكمي خلال المسيرة العلمية، والآخر يقيس التأثير خلال سنة محددة.
ومن المهم إدراك أن العدد المعلن للباحثين المصريين لا يعني بالضرورة أنهم يمثلون أعلى 2% من جميع الباحثين في العالم وفق ترتيب واحد موحد، وإنما يعتمد التصنيف على تقسيمات تخصصية ومعايير إدراج محددة.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن معدلات النشر والاستشهاد تختلف بصورة كبيرة بين التخصصات.
فالباحث في الطب الحيوي يعمل داخل بيئة نشر واستشهاد تختلف عن الباحث في الرياضيات أو هندسة الحاسبات أو العلوم الاجتماعية.
ولذلك فإن المقارنة المباشرة بين باحثين من تخصصات مختلفة، اعتمادًا على عدد الاستشهادات وحده، قد تؤدي إلى نتائج مضللة.
ومع ذلك، فإن وجود هذا العدد من الباحثين المصريين يمثل مؤشرًا إيجابيًا على الحضور العلمي الدولي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على جودة منظومة البحث العلمي المصرية أو كفاءتها.
ثانيًا: هل عدد الأبحاث هو المعيار الحقيقي للتأثير العلمي؟
من أكثر المفاهيم انتشارًا في الأوساط الأكاديمية الاعتقاد بأن الباحث الذي ينشر عددًا أكبر من الأبحاث يجب أن يكون أكثر تأثيرًا.
لكن الواقع العلمي أكثر تعقيدًا.
فقد ينشر باحث عشرات الأوراق البحثية دون أن تحظى باهتمام علمي كبير، بينما ينشر باحث آخر عددًا محدودًا من الدراسات التي تؤسس لاتجاه بحثي جديد أو تقدم حلًا لمشكلة علمية مؤثرة.
كما أن الاستشهادات العلمية لا تعكس دائمًا القيمة التطبيقية للبحث.
فقد ينتج باحث براءة اختراع مهمة، أو يطور نظامًا هندسيًا تستخدمه المؤسسات، أو يقدم تقنية تؤدي إلى خفض التكاليف أو تحسين الخدمات، دون أن ينعكس هذا الإنجاز بصورة متناسبة في عدد الاستشهادات.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين ثلاثة مفاهيم: الإنتاج العلمي، والتأثير الأكاديمي، والأثر المجتمعي والاقتصادي.
الإنتاج العلمي يرتبط بحجم المعرفة المنشورة، والتأثير الأكاديمي يرتبط باستخدام الباحثين الآخرين لهذه المعرفة، بينما يعبر الأثر المجتمعي عن النتائج الفعلية التي تحققها الأبحاث خارج الدوائر الأكاديمية.
ولا يجوز اختزال هذه الأبعاد الثلاثة في رقم واحد.
ثالثًا: لماذا قد يختفي باحث من التصنيف رغم زيادة أبحاثه واستشهاداته؟
هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي تستحق المناقشة العلمية، خصوصًا أن بعض الباحثين قد يظهرون في إصدار سابق من القائمة ثم يغيبون عن إصدار لاحق، رغم استمرارهم في النشر وزيادة مؤشر إتش الخاص بهم.
وقد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى، لكنه ليس بالضرورة دليلًا على وجود خطأ أو تراجع في المستوى العلمي.
فالترتيب النسبي للباحث لا يعتمد على تطور مؤشراته وحده، وإنما يتأثر أيضًا بتطور مؤشرات الباحثين الآخرين داخل التخصص نفسه.
فإذا ارتفعت استشهادات أحد الباحثين بنسبة معينة، بينما ارتفعت استشهادات مجموعة كبيرة من منافسيه بمعدلات أعلى، فقد يتراجع ترتيبه النسبي رغم تحسن أدائه المطلق.
كذلك فإن زيادة مؤشر إتش لا تعني بالضرورة زيادة المؤشر المركب المستخدم في التصنيف بالمعدل نفسه.
فالمؤشر المركب، المعروف باسم c-score، يعتمد على عدة مؤشرات للاستشهادات، تشمل إجمالي الاستشهادات، ومؤشر إتش، ومؤشرات أخرى تتعلق بالأوراق البحثية والاستشهادات المنسوبة إلى الباحث بحسب موقعه في ترتيب المؤلفين.
وبالتالي، فإن باحثًا يشارك في عدد كبير من الأوراق متعددة المؤلفين قد يختلف تقييمه عن باحث آخر لديه نمط مختلف من التأليف، حتى إذا تقاربت أعداد استشهاداتهما.
وقد تؤثر أيضًا التحديثات التي تطرأ على قاعدة سكوبس، مثل دمج ملفات المؤلفين أو فصلها، أو تصحيح بيانات الأبحاث، أو تغيير التصنيف التخصصي للباحث.
ومن المهم التمييز بين الغياب عن قائمة التأثير السنوي والغياب عن قائمة التأثير التراكمي؛ فلكل منهما نافذة زمنية ومنهجية مختلفة.
لذلك فإن اختفاء باحث من القائمة لا يثبت بمفرده تراجع تأثيره العلمي، كما أن ظهوره لا يثبت بالضرورة تحسن جودة أبحاثه مقارنة بالعام السابق.
فالتصنيف يقيس موقع الباحث داخل منظومة إحصائية متغيرة، وليس قيمته العلمية المطلقة.
رابعًا: هل مؤشر إتش كافٍ للحكم على الباحث؟
يعد مؤشر إتش أحد أكثر المؤشرات استخدامًا في تقييم الباحثين، لأنه يجمع بصورة مبسطة بين عدد المنشورات والاستشهادات.
لكن هذا المؤشر يعاني من قيود معروفة.
فهو يتأثر بعمر الباحث الأكاديمي، ويختلف باختلاف التخصص، ولا يميز بصورة كافية بين طبيعة المساهمات العلمية للمؤلفين.
كما أنه لا يعكس بالضرورة حداثة التأثير البحثي، ولا يقيس بصورة مباشرة القيمة الصناعية أو الاقتصادية أو المجتمعية للأبحاث.
وقد يمتلك باحث شاب مجموعة من الدراسات المبتكرة ذات أهمية كبيرة، لكنه لا يستطيع منافسة باحث أمضى عقودًا في النشر من حيث المؤشرات التراكمية.
ومن هنا، فإن الاعتماد على مؤشر واحد في اتخاذ قرارات الترقية أو التعيين أو التمويل البحثي يمثل ممارسة تحتاج إلى مراجعة.
فالتقييم العلمي العادل يجب أن يجمع بين المؤشرات الكمية والتحكيم النوعي للأعمال البحثية.
خامسًا: مشكلة البيانات… هل تمثل قاعدة سكوبس جميع الباحثين بصورة دقيقة؟
تعتمد التصنيفات الببليومترية على جودة البيانات التي تستخرج منها المؤشرات.
وأي خلل في هذه البيانات قد ينعكس على النتائج.
فقد يمتلك الباحث أكثر من ملف تعريفي في قاعدة سكوبس نتيجة اختلاف كتابة اسمه أو انتقاله بين المؤسسات أو وجود أخطاء في ربط المنشورات.
وقد تُنسب بعض الأوراق إلى باحث آخر يحمل اسمًا مشابهًا، أو لا تظهر بعض الأعمال البحثية في ملف المؤلف الصحيح.
كما قد تؤثر اختلافات تسجيل الانتماءات المؤسسية في التقارير التي تحاول تحديد عدد الباحثين التابعين لكل جامعة.
وقد أشار التقرير الصحفي نفسه إلى وجود باحثين مسجلين باسم الكلية دون تحديد الجامعة، وهو ما أدى إلى عدم احتسابهم ضمن الجامعات المعنية في التحليل المنشور.
وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تكشف الفرق بين بيانات التصنيف الأصلية والتحليلات المحلية التي تُبنى عليها.
فقد يكون الباحث مدرجًا بصورة صحيحة في القائمة العالمية، بينما لا يظهر ضمن إحصاءات جامعته نتيجة مشكلة في تسجيل الانتماء المؤسسي.
ولذلك يجب ألا تتعامل المؤسسات مع هذه الأرقام باعتبارها حقائق نهائية دون مراجعة منهجية.
سادسًا: هل أصبحت التصنيفات العلمية غاية بدلًا من كونها وسيلة؟
من الطبيعي أن تسعى الجامعات إلى تحسين مواقعها في التصنيفات الدولية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التصنيف إلى الهدف الأساسي للسياسات البحثية.
فإذا أصبح عدد الباحثين المدرجين في قائمة دولية هو المعيار الوحيد لنجاح الجامعة، فقد يؤدي ذلك إلى إهمال جوانب أخرى من رسالتها.
فالجامعة ليست مؤسسة لإنتاج الأوراق البحثية فقط، وإنما مؤسسة للتعليم، وإعداد الكوادر، وتطوير المعرفة، وخدمة المجتمع، والمساهمة في حل المشكلات الوطنية.
وقد يؤدي التركيز المفرط على المؤشرات الرقمية إلى تشجيع النشر الكمي على حساب الجودة، أو تفضيل الموضوعات التي تجذب استشهادات مرتفعة على الموضوعات المرتبطة باحتياجات المجتمع.
كما قد يؤدي إلى التقليل من قيمة الأبحاث التطبيقية التي تحقق أثرًا اقتصاديًا أو صناعيًا واضحًا، لكنها لا تحظى بمعدلات استشهاد مرتفعة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التصنيفات، وإنما ضرورة استخدامها في السياق الصحيح.
فالتصنيف الجيد يجب أن يساعد المؤسسة على تحسين أدائها، لا أن يعيد تعريف رسالتها بالكامل.
سابعًا: أين البحث العلمي المصري من الاقتصاد والصناعة؟
إن السؤال الأكثر أهمية من عدد الباحثين المصريين في القوائم الدولية هو مدى مساهمة البحث العلمي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فمصر تحتاج إلى حلول علمية وتكنولوجية في مجالات الطاقة والمياه والصناعة والزراعة والصحة والنقل والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وتحتاج كذلك إلى بناء صناعات قائمة على المعرفة، وتطوير منتجات محلية قادرة على المنافسة، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.
ومن هنا يجب أن تتجاوز منظومة تقييم الباحثين عدد المنشورات والاستشهادات، لتشمل المساهمة في تطوير التقنيات، وبراءات الاختراع ذات الاستخدام الفعلي، والمشروعات الصناعية المشتركة، ونقل المعرفة، وتدريب الكوادر.
فالباحث الذي يطور نظامًا يقلل استهلاك الطاقة في مصنع مصري يحقق قيمة وطنية ينبغي الاعتراف بها، حتى إذا لم تحقق دراسته عددًا كبيرًا من الاستشهادات الدولية.
والباحث الذي يطور أداة للأمن السيبراني تحمي مؤسسة حيوية يقدم إسهامًا لا يجوز تجاهله لمجرد أن أثره لا يظهر بالكامل في قواعد البيانات الببليومترية.
إن المطلوب هو منظومة تقييم تعترف بالتنوع الحقيقي للإنجاز العلمي.
ثامنًا: نحو مرصد وطني شفاف للتأثير العلمي
تكشف هذه القوائم الحاجة إلى تطوير آلية وطنية مستقلة لمتابعة مؤشرات الأداء البحثي للجامعات والمؤسسات المصرية.
ولا ينبغي أن يقتصر دور هذه الآلية على إعلان أعداد الباحثين المدرجين في التصنيفات الدولية.
بل يجب أن تقدم تحليلًا للتغيرات السنوية، وتوضح أسباب الصعود والتراجع، وتساعد الباحثين على اكتشاف أخطاء البيانات وتصحيحها.
كما ينبغي أن تميز بين التغير الحقيقي في الأداء البحثي والتغير الناتج عن تحديثات قواعد البيانات أو إعادة تصنيف التخصصات.
ومن المهم كذلك نشر منهجية واضحة لحساب الأعداد المؤسسية، مع مراعاة الباحثين أصحاب الانتماءات المتعددة، والباحثين الذين انتقلوا بين الجامعات، والحالات التي تظهر فيها بيانات الانتماء بصورة غير مكتملة.
ويمكن أن يسهم مثل هذا المرصد في توفير صورة أكثر دقة عن واقع البحث العلمي المصري، بعيدًا عن المبالغة في الاحتفاء أو التسرع في إصدار الأحكام.
تاسعًا: هل يحتاج الباحث المصري إلى آلية للاعتراض والتصحيح؟
إذا كانت الجامعات والمؤسسات تستخدم نتائج التصنيفات الدولية في تقييم الباحثين أو تكريمهم أو منحهم فرصًا بحثية، فمن الضروري توفير آلية واضحة لمراجعة الحالات التي تظهر فيها اختلافات أو أخطاء.
فالباحث الذي يلاحظ اختفاء بعض أبحاثه أو انقسام ملفه العلمي أو وجود خطأ في انتمائه المؤسسي يجب أن يجد مسارًا منظمًا للمساعدة في تصحيح البيانات لدى الجهات المسئولة.
كما ينبغي إتاحة الفرصة للباحث لتقديم مؤشرات موثقة عن إنتاجه وتأثيره العلمي بدلًا من الاعتماد الحصري على وجود اسمه في قائمة معينة.
والأهم هو عدم التعامل مع الغياب عن التصنيف باعتباره حكمًا سلبيًا على الباحث.
فالقوائم الدولية ليست لجان ترقية، ولا تقارير تحكيم علمي تفصيلية، ولا شهادات نهائية على جودة المسيرة الأكاديمية.
إنها أدوات إحصائية لها قيمة، لكنها تظل محدودة بطبيعة البيانات والمعايير المستخدمة.
عاشرًا: كيف نحول الإنجاز إلى سياسة علمية وطنية؟
إن وجود 1293 باحثًا مصريًا في قائمة التأثير السنوي يمثل فرصة لإعادة التفكير في كيفية الاستفادة من الكفاءات العلمية المصرية.
فبدلًا من الاكتفاء بإعلان الأسماء وتكريم أصحابها، يمكن بناء شبكات بحثية وطنية تجمع الباحثين المتميزين مع المؤسسات الصناعية والجهات الحكومية.
كما يمكن توجيه جزء من برامج التمويل البحثي نحو المشروعات متعددة التخصصات التي تعالج تحديات وطنية واضحة.
ومن المهم أيضًا دعم الباحثين الشباب، وتحسين البنية التحتية البحثية، وتوفير فرص التعاون الدولي، وتعزيز النزاهة العلمية.
لكن يجب ألا تتحول هذه البرامج إلى امتيازات مغلقة على المدرجين في التصنيفات فقط.
فقد توجد كفاءات علمية متميزة خارج هذه القوائم، لأسباب تتعلق بالتخصص أو المرحلة المهنية أو طبيعة الإنتاج البحثي أو محدودية التغطية الببليومترية.
ومن هنا، فإن السياسة العلمية الرشيدة يجب أن تستخدم التصنيفات باعتبارها أحد مصادر المعلومات، وليس بوصفها المعيار الوحيد لتحديد المستحقين للدعم.
الخاتمة: العلم أكبر من قائمة… والتأثير الحقيقي أكبر من رقم
إن إدراج 1293 باحثًا مصريًا ضمن قائمة التأثير العلمي السنوي، و659 باحثًا ضمن قائمة التأثير الممتد عبر المسيرة البحثية، يستحق التقدير بوصفه مؤشرًا على حضور الكفاءات المصرية في الساحة العلمية الدولية.
لكن هذا الإنجاز يجب أن يكون بداية لنقاش علمي جاد، لا نهاية له.
فنحن بحاجة إلى فهم منهجية التصنيفات، وتحسين جودة البيانات، وضمان عدالة التقييم، وربط البحث العلمي باحتياجات التنمية.
كما يجب أن نتذكر أن الباحث قد يرتفع إنتاجه العلمي وتزداد استشهاداته، ومع ذلك يتراجع ترتيبه النسبي أو يغيب عن إصدار معين من القائمة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعًا في جودة عمله.
وفي المقابل، فإن الظهور في التصنيف لا ينبغي أن يكون بديلًا عن تقييم الأصالة العلمية والنزاهة البحثية والأثر الفعلي للأبحاث.
إن العالم الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد من استشهدوا بأبحاثه، بل أيضًا بما أضافه إلى المعرفة، وما قدمه من حلول، وما أسهم به في بناء الإنسان والمؤسسة والوطن.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: كم عالمًا مصريًا ظهر في قائمة الأكثر تأثيرًا؟
بل: كم بحثًا تحول إلى منتج؟ وكم ابتكارًا وصل إلى الصناعة؟ وكم مشكلة وطنية ساهم العلم في حلها؟ وكم باحثًا شابًا وجد البيئة المناسبة للإبداع؟
فالقيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تتحدد بموقع الاسم في التصنيف، وإنما بموقع المعرفة في تقدم المجتمع.
وإذا كان من حقنا أن نفخر بالعلماء المصريين الذين تحظى أبحاثهم بتقدير دولي، فمن واجبنا أيضًا أن نبني منظومة علمية عادلة وشفافة، تستطيع اكتشاف الموهبة ودعمها، والاعتراف بالإنجاز في جميع صوره.
فمصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من العلماء في قوائم التأثير العالمي، بل تحتاج إلى تحويل تأثير علمائها إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وتنموية حقيقية.
استند المقال إلى الأرقام الواردة في تقرير القاهرة 24 المنشور في 9 أكتوبر 2026، مع تقديم تحليل مستقل لمنهجيات التصنيف العلمي وحدودها. والمقال مكتوب بصياغة أصلية دون نقل أو اقتباس نصوص من التقرير.






